قوة بكين الصامتة.. الصين تعيد تشكيل نفوذها العالمي عبر أدوات اقتصادية
برزت الصين كلاعب عالمي لا يقتصر تأثيره على قوتها الاقتصادية فحسب، بل يمتد إلى استراتيجيات سياسية ودبلوماسية معقدة تعيد تشكيل موازين النفوذ في النظام الدولي.
ووفقا لتحليل نشرته مجلة فورين أفيرز، فقد تميّزت الصين خلال العقود الأخيرة باستخدام ما يُعرف بـ«الحكم الاقتصادي» أو «السياسة الاقتصادية ذات الغرض السياسي»، وهو نهج يقوم على توظيف الأدوات الاقتصادية لتحقيق أهداف سياسية واستراتيجية.
وبحسب التحليل، يعكس هذا المفهوم الكيفية التي تستخدم بها بكين أدواتها الاقتصادية، مثل التجارة والاستثمار والتمويل وسلاسل الإمداد، من أجل تحقيق غايات تتجاوز مجرد النمو الاقتصادي، لتشمل تعزيز النفوذ السياسي وترسيخ المكانة الاستراتيجية على الساحة الدولية.
وتعود جذور هذا النهج إلى إصلاحات الانفتاح التي أطلقتها الصين في أواخر سبعينيات القرن العشرين، حين أدرك القادة الصينيون أن الاقتصاد يمكن أن يشكّل أداة فعّالة لتعزيز النفوذ الخارجي، وفي الوقت ذاته وسيلة لضمان الاستقرار الداخلي. ويشبه هذا التوجّه إلى حدٍّ ما الدبلوماسية الاقتصادية في مراحل سابقة من التاريخ الدولي، لكنه يتميّز بتركيز أوضح على استخدام القوة الاقتصادية لتحقيق مكاسب سياسية مباشرة.
وفي جوهره، يُستخدم الحكم الاقتصادي كآلية لربط المصالح الاقتصادية بالنتائج السياسية. فعلى سبيل المثال، تُوظَّف التجارة كوسيلة لتوطيد العلاقات مع الدول النامية، بما يترجم في كثير من الأحيان إلى دعم سياسي أو نفوذ استراتيجي داخل المنتديات الدولية. وفي الوقت نفسه، يُستخدم الاستثمار في مشاريع بنية تحتية ضخمة، مثل الطرق والسكك الحديدية والموانئ التي تموّلها البنوك الصينية، كأداة لتعزيز الاعتماد الاقتصادي على بكين.
وإلى جانب الحوافز، لم تتردّد الصين في اللجوء إلى أساليب أكثر صرامة، شملت فرض عقوبات اقتصادية، أو قيود على الصادرات، أو إبطاء وتيرة الاستثمار، وذلك كوسائل ضغط تُستخدم في سياق النزاعات السياسية.
ويُعدّ من أبرز الأمثلة المعاصرة على الحكم الاقتصادي الصيني مبادرة «الحزام والطريق»، التي تمثّل محاولة طموحة لربط آسيا وأفريقيا وأوروبا بشبكة واسعة من البنى التحتية والتمويل. ولا تقتصر هذه المبادرة على تعزيز التجارة فحسب، بل تسهم أيضًا في بناء علاقات سياسية طويلة الأمد، تُرسّخ نفوذ بكين عبر مناطق مختلفة من العالم.
ولا يقتصر هذا النهج المتشعّب على دول الجنوب العالمي فقط، بل ينعكس كذلك على علاقات الصين مع القوى الكبرى. فعلى سبيل المثال، تسعى بكين إلى توسيع نفوذها في آسيا من خلال ترتيب شراكات تجارية تمنحها موطئ قدم اقتصاديًا قويًا يفضي إلى تأثير سياسي أكبر، في وقت تواجه فيه ضغوطًا متزايدة من الولايات المتحدة وحلفائها للحد من قدرتها على استخدام أدواتها الاقتصادية كوسيلة للنفوذ.
كما أن النمو الاقتصادي الهائل للصين وضعها في موقع الشريك التجاري الأساسي للعديد من الدول، إلا أن هذا النفوذ الاقتصادي لا يتحوّل دائمًا إلى دعم سياسي كامل في مختلف السياقات، إذ تختلف الاستجابات الدولية تبعًا للمصالح الوطنية لكل دولة.
وفي النهاية، يوضح نموذج الحكم الاقتصادي الصيني كيف يمكن للدولة أن تستثمر قوتها الاقتصادية لتوسيع نفوذها على الساحة الدولية. ومن خلال المزج بين الحوافز الاقتصادية وأدوات الضغط السياسي، تسعى الصين إلى إعادة تشكيل قواعد التفاعل الدولي بما يخدم مصالحها الاستراتيجية، ليغدو الاقتصاد ليس مجرد محرك للنمو، بل سلاحًا فاعلًا في السياسة الخارجية.
aXA6IDIxNi43My4yMTYuODQg جزيرة ام اند امز