منوعات
بسبب الانفجارات الكونية.. حقيقة وجود غبار النجوم في أجسامنا وطعامنا
بينما نعيش حياتنا اليومية على هذا الكوكب المتلألئ، قد ننسى أن الأرض ليست ثابتة في مكانها، بل هي "سفينة فضائية" تخوض رقصة كونية مهيبة.
و تدور الأرض ببطء حول قلب مجرة درب التبانة. لكن السؤال الذي ظل يؤرق العلماء هو: أين كانت رحلتنا بالضبط وسط هذا الفضاء الشاسع؟ الإجابة، كما تبين مؤخراً، كانت مخبأة في أعمق وأبرد بقعة على وجه الأرض.

الجليد.. كبسولة زمنية من النجوم
وفي دراسة حديثة نشرتها دورية "فيزيكال ريفيو ليترز"، وأثارت دهشة الأوساط العلمية، نجح فريق بقيادة عالم الفيزياء الفلكية النووية دومينيك كول من مركز "هلمهولتز دريسدن روسيندورف" في ألمانيا، في فك شفرة رحلة كوكبنا عبر الفضاء خلال الـ 80 ألف عام الماضية. المفتاح لم يكن تلسكوباً عملاقاً، بل كان ذرات نادرة من الحديد مدفونة في أعماق الجليد النقي في القارة القطبية الجنوبية.
ويعمل الغطاء الجليدي في أنتاركتيكا كـ "سجل تاريخي" تراكم طبقة تلو الأخرى منذ 35 مليون سنة. كل طبقة تحبس بداخلها جسيمات من الغلاف الجوي في تلك اللحظة الزمنية، مما يجعل استخراج أسطوانة من الجليد بمثابة قراءة "يوميات الأرض" عبر العصور.
الحديد-60: البصمة التي لا تكذب
ما وجده العلماء هو نظير نادر يسمى "حديد-60"، وهذا النظير مميز للغاية لسببين، أولهما أنه لا يمكن إنتاجه طبيعياً على الأرض، فهو لا يتشكل إلا في ظروف الانفجارات النجمية الهائلة المعروفة بـ "السوبرنوفا"، وثانيهما، هو أن عمر هذا النظير قصير نسبياً (بالمقاييس الكونية)، فلو كان موجوداً منذ نشأة الأرض قبل 4.5 مليار سنة، لكان قد اختفى تماماً الآن.
والاستنتاج المثير، هو أن أي كمية من "الحديد-60" نجدها اليوم هي "غبار فضائي" سقط على الأرض مؤخراً من بقايا نجوم انفجرت وماتت منذ زمن بعيد.

رحلة عبر "السحابة المحلية"
من خلال تحليل 295 كيلوجراماً من الجليد، اكتشف الفريق أن تركيز هذا الغبار النجمي في الجليد الذي يعود تاريخه إلى ما بين 40 و81 ألف عام كان أقل بكثير من تركيزه في الثلوج التي سقطت في العقود الأخيرة.
ويعني أن نظامنا الشمسي يتحرك حالياً عبر ما يسميه العلماء "السحابة البينية المحلية" وهي منطقة من الغاز والغبار الكوني يُعتقد أنها نتجت عن نشاط "سوبرنوفا" قديم.
وتُظهر النتائج أن الأرض كانت تمر في البداية بمنطقة "رقيقة" أو قليلة الكثافة من هذه السحابة قبل 80 ألف عام، والآن نحن نمر في قلب منطقة أكثر "كثافة"، مما يجعل السماء "تمطر" غبار النجوم علينا بمعدل أعلى.
"هذه النتائج تشير إلى أن سحابتنا المحلية هي أرشيف كوني لحديد السوبرنوفا، والجليد هو الصندوق الأسود الذي سجل رحلتنا عبرها.
لماذا يهمنا هذا الاكتشاف؟
بعيداً عن الجانب الشاعري لكوننا "نأكل ونشرب غبار النجوم"، تساعد هذه الدراسة العلماء على فهم هيكل الفضاء المحيط بنا وتأثيره على غلافنا الجوي ومناخنا عبر العصور، فمجرد العثور على ذرات معدودة في كتلة جليدية ضخمة يخبرنا قصة رحلة بآلاف السنين الضوئية، وهذا انتصار حقيقي للفضول البشري.