الديمقراطيون و2028.. سباق مبكر لصياغة العقيدة الخارجية
في خطوة تعكس إدراكًا مبكرًا لحجم التحولات التي تنتظر الحزب الديمقراطي، بدأ قادة الحزب إعادة تفعيل واحدة من أبرز منصاته الفكرية في مجال السياسة الخارجية، استعدادًا لصياغة ملامح المرحلة المقبلة بعد إرث إدارة جو بايدن.
وكشفت تحركات حديثة عن إعادة إحياء مجموعة «العمل من أجل الأمن القومي»، التي لعبت دورًا محوريًا في تشكيل خطاب الحزب الخارجي خلال السنوات الماضية، في مسعى واضح لتجهيز الكوادر والأفكار التي ستقود المعركة الرئاسية المرتقبة عام 2028، وفقا لموقع أكسيوس.
واختار الديمقراطيون ماهر بيطار، مستشار الأمن القومي للسيناتور آدم شيف وأحد الوجوه البارزة في ملفات الاستخبارات والدفاع خلال إدارة بايدن، لتولي قيادة هذا المسار.
ويُنظر إلى هذا التعيين باعتباره محاولة لإعادة إنتاج التجربة التي سبقت انتخابات 2020، حين تحولت المجموعة إلى خزان فكري وسياسي أسهم في بلورة فريق الأمن القومي الذي دخل البيت الأبيض مع بايدن، وكان من أبرز رموزه مستشار الأمن القومي السابق جيك سوليفان، أحد مؤسسيها.
لكن السياق الذي تعود فيه المجموعة اليوم يختلف جذريًا عن ذلك الذي نشأت فيه عام 2018 لمواجهة توجهات دونالد ترامب الخارجية.
فالتحدي الحالي لم يعد مقتصرًا على صياغة بديل لسياسات الجمهوريين، بل بات أكثر تعقيدًا؛ إذ يتمثل في الإجابة عن سؤال وجودي داخل الحزب نفسه: كيف يمكن للديمقراطيين بناء عقيدة خارجية جديدة تتجاوز إرث بايدن وتستجيب في الوقت ذاته للتحولات الفكرية والسياسية العميقة داخل قواعدهم الانتخابية؟
هذا السؤال يفرض نفسه بقوة على خلفية تصاعد الانقسامات الداخلية، لا سيما بشأن العلاقة مع إسرائيل، التي تحولت إلى أحد أبرز خطوط التماس بين التيار التقليدي والتيار التقدمي داخل الحزب.
وقد أظهرت استطلاعات حديثة تحولًا لافتًا في المزاج الديمقراطي، مع تصاعد النظرة السلبية تجاه إسرائيل بصورة غير مسبوقة، وهو ما انعكس سياسيًا في مواقف عدد كبير من أعضاء مجلس الشيوخ الديمقراطيين الذين عارضوا مؤخرًا صفقات تسليح لصالح تل أبيب، بينهم أسماء بارزة يُتوقع أن تلعب أدوارًا رئيسية في السباق الرئاسي المقبل.
هذا التحول يعكس اتساع الفجوة بين المؤسسة الحزبية التقليدية وبين قاعدة انتخابية شابة وأكثر ميلاً إلى تبني مقاربات نقدية للسياسة الخارجية الأمريكية، وهو ما يجعل مهمة «العمل من أجل الأمن القومي» أكثر حساسية من مجرد إعداد كوادر أو تنظيم ورش فكرية.
إعادة تقييم
والرسائل الصادرة عن قادة المجموعة تكشف إدراكًا واضحًا لهذه الحقيقة. فجيك سوليفان أقر بأن العلاقة الأمريكية الإسرائيلية دخلت مرحلة إعادة تقييم، فيما ذهب بن رودس، الشريك المؤسس وأحد أبرز مهندسي سياسة أوباما الخارجية، إلى أبعد من ذلك حين أكد أن الإدارة الديمقراطية المقبلة يجب أن تكون مختلفة جذريًا عن إدارة بايدن، معتبرًا أن الحزب أمام فرصة لإبراز أصوات جديدة وصياغة خطاب مغاير.
في المقابل، يسعى بيطار إلى تقديم المجموعة كمنصة جامعة لا تنحاز مسبقًا لأي تيار، بل تستهدف احتضان مختلف الأصوات الديمقراطية، مع التركيز على الجيل الجديد من القيادات.
غير أن التحدي الحقيقي يتجاوز إدارة الحوار إلى حسم الخيارات الكبرى: هل يتمسك الحزب بمقارباته التقليدية في الأمن والتحالفات الدولية، أم يتجه نحو رؤية أكثر تقدمية تعكس التحولات الجارية داخل قاعدته؟