تلميح ومؤشرات.. هل يكرر الديمقراطيون تجربة هاريس في 2028؟
فتح تلميح نائبة الرئيس الأمريكي السابقة كامالا هاريس حول احتمال خوضها رئاسيات 2028، نقاشا داخل الحزب يتعلق بمستقبل مساره السياسي.
وحين ألمحت هاريس مؤخرًا، خلال ظهور علني إلى جانب القس آل شاربتون، إلى أنها تدرس خوض السباق الرئاسي المقبل، لم يكن ذلك مجرد تصريح عابر، بل إشارة سياسية محسوبة بدقة لاختبار المزاج الحزبي وإعادة جس نبض القاعدة الديمقراطية.
غير أن هذه الإشارة، بدلًا من إثارة الحماس، أعادت إلى الواجهة، بحسب تقرير لمجلة "نيوزويك"، سؤالًا أكثر إلحاحًا: هل يسير الحزب الديمقراطي نحو إعادة إنتاج الأسباب ذاتها التي قادته إلى الهزيمة؟
اللافت أن بعض المؤشرات الأولية داخل الحزب تبدو مشجعة لهاريس. فقد أظهرت استطلاعات رأي حديثة، كان آخرها استطلاع هارفارد، أن نسبة تأييدها قفزت إلى 50%، ما يجعلها متقدمة على غيرها من الأسماء الديمقراطية المحتملة.
كما نجحت حملتها السابقة، بالتعاون مع اللجان الديمقراطية الداعمة، في جمع أكثر من مليار دولار، وهو رقم يعكس بنية تمويلية ضخمة وشبكة دعم مؤسسي قادرة على إعادة تشغيل نفسها بسهولة.
لكن السياسة الأمريكية أثبتت مرارًا أن القدرة على جمع الأموال لا توازي بالضرورة القدرة على كسب الناخبين، خصوصًا عندما يكون التحدي الحقيقي مرتبطًا بالصورة الذهنية للمرشح لا بحجم الموارد المتاحة له.
في جوهر المعضلة، تبدو هاريس مرتبطة سياسيًا بإرث إدارة بايدن، وهو الإرث الذي شكل أحد أبرز أسباب الإخفاق الديمقراطي في 2024.
فقد دخلت السباق آنذاك في ظروف استثنائية، بعد انسحاب جو بايدن وسط تصاعد المخاوف المتعلقة بقدراته الذهنية والجسدية، لكنها لم تنجح في تقديم نفسها كبديل مختلف، بل بدت امتدادًا مباشرًا لإدارة أنهكها تراجع الشعبية وتآكل الثقة العامة، وفق التقرير.
اقتصاديًا، كان العبء الأكبر على كاهل الديمقراطيين هو التضخم، الذي تحوّل إلى عامل انتخابي حاسم. فالناخب الأمريكي، في نهاية المطاف، يصوّت انطلاقًا من واقعه المعيشي، وقد أظهرت استطلاعات الخروج أن نسبة كبيرة من الأمريكيين شعرت بتراجع أوضاعها الاقتصادية مقارنة بالسنوات السابقة.
هذا الشعور لم يكن مجرد انطباع عابر، بل شكل الأرضية التي بُنيت عليها حالة الغضب الشعبي ضد الإدارة، وهي حالة انعكست مباشرة على فرص هاريس الانتخابية.
المعضلة التي تواجهها هاريس اليوم تتجاوز سؤال الرغبة في الترشح إلى سؤال القدرة على إعادة تقديم الذات. فإذا أرادت خوض سباق 2028 بجدية، فإن عليها أولًا أن تنجح في فصل شخصيتها السياسية عن سنوات بايدن، وأن تصوغ خطابًا جديدًا يقنع الناخبين بأنها لا تمثل استمرارية للنهج السابق.
غير أن هذه المهمة تبدو شديدة الصعوبة، ليس فقط بسبب ارتباطها الوثيق بالإدارة السابقة، بل لأن خصومها سيعيدون باستمرار استدعاء سجلها كنائبة للرئيس، حيث يرى كثيرون أنها لم تترك أثرًا سياسيًا واضحًا يمكن البناء عليه.
في المقابل، يراهن بعض الديمقراطيين على احتمال تراجع جاذبية دونالد ترامب، مستندين إلى مؤشرات تُظهر تصاعدًا نسبيًا في ندم بعض ناخبيه، وتراجعًا في مستويات الثقة المطلقة به.
لكن هذا الرهان يحمل قدرًا كبيرًا من الوهم السياسي، لأن انتخابات 2028 لن تكون إعادة مباشرة لمواجهة 2024. فترامب، بحكم القيود الدستورية والواقع السياسي، لن يكون حاضرًا على الأرجح في السباق المقبل، ما يفتح الباب أمام الجمهوريين لتقديم مرشح جديد قد يكون أكثر قدرة على جذب الوسط الانتخابي وتوحيد التيارات المحافظة المختلفة.
هنا تحديدًا تبرز أسماء بديلة داخل الحزب الديمقراطي، وعلى رأسها حاكم كاليفورنيا غافن نيوسوم، الذي يحاول تقديم نفسه كنموذج أكثر مرونة وانفتاحًا. فقد أظهر خلال الفترة الماضية استعدادًا لخوض حوارات مع خصومه السياسيين، وقدم خطابًا أقل تصلبًا تجاه بعض القضايا الخلافية، في محاولة واضحة لكسر الصورة النمطية التي التصقت بالديمقراطيين بوصفهم حزبًا منعزلًا داخل فقاعته الليبرالية.
المشكلة الأساسية، وفق نيوزويك، لا تكمن في كامالا هاريس وحدها، بل في ميل الحزب الديمقراطي المتكرر إلى الرهان على الوجوه المؤسسية ذاتها، رغم الإشارات المتكررة من الناخبين إلى رغبتهم في التغيير.
إذ إن السياسة الأمريكية خلال العقد الأخير أثبتت أن المزاج الشعبي بات أكثر ميلًا إلى الشخصيات الخارجة عن الأطر التقليدية، وهي الحقيقة التي جسدها صعود ترامب داخل الحزب الجمهوري.