سياسة

قانون التعطيل.. هل يعطل منطقة اليورو؟

الخميس 2018.8.9 08:50 صباحا بتوقيت أبوظبي
  • 482قراءة
  • 0 تعليق
محمد شمس الدين

الحالة الإيرانية الراهنة شبيهة بالجار المزعج الذي يطلب منه عدم إزعاج جيرانه، فإن كرر الإزعاج ووصل إلى الإضرار فإن من حق الجيران اتخاذ ما يلزم لمنع ذلك الضرر.

مع تصاعد التوتر بين شركاء الاتفاق النووي يطغى سؤال ملح.. هل هو تراجع في العلاقات الأوروبية العربية أم تراجع في العلاقات الأوروبية الأمريكية أم الاثنان معا؟

سيستمر النظام الإيراني في أسلوبه ليستنفد كل الخيارات مع الأوروبيين الذين لن يغامروا بمصالحهم مع العالم من أجل إيران، وإلا فإن الحلم الأوروبي ومنطقة اليورو في خطر، حيث يعرف الجميع أن حركة التجارة العالمية لا بد أن تمر عبر العملة الصعبة "الدولار"

في تقديري فإن الطريقة التي تتصرف بها الدول الأوروبية -وهي تدرك عدم فاعلية قانون التعطيل الذي فعلته للمرة الأولى قبيل إعادة فرض العقوبات الأمريكية- تشير إلى وجود شرخ في العلاقات بين أوروبا والدول العربية من جهة وبين أوروبا والولايات المتحدة من جهة أخرى، إضافة إلى وجود شرخ بين دول الاتحاد الأوروبي، حيث جمدت ألمانيا -إحدى الدول الموقعة على الاتفاق النووي- مبالغ نقدية قدرها أربعمائة مليون دولار كانت تحاول إيران نقلها جوا إلى طهران في الأيام الماضية.

الشرخ في العلاقات الأوروبية العربية يمكن ملاحظته في المواقف الأوروبية الفاترة والمتباينة تجاه النشاط الإيراني المهدد لأمن واستقرار المنطقة والداعم لكل ما من شأنه زعزعة استقرارها.. هذا النشاط كفيل بأن ينير بصيرة الأوروبيين إلى ضرورة ممارسة ضغوط صارمة من شأنها أن تكبح جماح النظام الطامح لفرض واقع سياسي تتحكم في رسم ملامحه عبر صواريخها التي تزود بها أذرعها في المنطقة، علما أن تكلفة تلك الضغوط لن تكون كبيرة مقارنة بما سيكلفها جراء تصدع علاقاتها بدول المنطقة التي ترتبط معها بروابط تجارية واستثمارية وعسكرية قوية.

حين تتحدث موغريني عن التزام إيران بما وقعت عليه في الاتفاق وكأنها تقول إن إيران دولة طبيعية وعاقلة وتتصرف بعقلانية، وإن الوضع في المنطقة طبيعي ولم تطرأ عليه أي تطورات منذ التوقيع على الاتفاق النووي، وهي تعرف جيدا كيف استغل نظام طهران الاتفاق واستعاد بفضله كثيرا من الأموال وبعضا من الشرعية، وما لبث أن وظفهما أسوأ توظيف في تدمير المنطقة وتهديد أمنها وسلمها، متجاهلا قرارات أممية تدينها مباشرة.

وكأن الأوروبيين حين يعترضون على إعادة فرض العقوبات يقولون إن تلك العقوبات لن تفيد بشيء.. إن كانت لن تؤثر ولن تفيد بشيء فلم وقعتم على اتفاق لا يقدم ولا يؤخر؟ وكيف لا يؤثر والنظام الإيراني يبذل كل ما بوسعه للإبقاء عليه؟

دخلت أوروبا عبر الملف الإيراني في سباق تحد مع الولايات المتحدة، ومضمار التحدي هذه المرة لن يكون إيران بل سيكون منطقة اليورو، سيكون الأمر اختبارا حقيقيا على بقاء الأوروبيين موحدين في قراراتهم، والمعروف أن المصالح "الاقتصادية" هي التي تقود الخطوات السياسية، لذلك رأينا كيف سارعت ألمانيا وهي الدولة الأوروبية "الأغنى" إلى خطوتها وجمدت بشكل منفرد مئات ملايين الدولارات.

ومع اقتراب خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي فإن المتضرر الأكبر في هذه المعادلة هم الفرنسيون على وجه التحديد، حيث كانوا يعولون على الاتفاقيات الاستثمارية الضخمة -المباشرة منها وغير المباشرة- التي أبرمت مع الإيرانيين قبل مقدم ماكرون للسلطة، وأما بقية دول الاتحاد الأوروبي التي لا ذنب لها فحدث ولا حرج.

هذا التخوف قد يكون مصدر القوة الذي يمكن لفرنسا وبريطانيا وألمانيا أن تضغط به على إيران للامتناع عن أنشطتها الإجرامية والإرهابية، وعدم الارتهان لتكهنات جراء تهديدات مصدرها ظريف وروحاني وسليماني.

الصين وروسيا اللتان تعملان بشكل مستقل منذ ما قبل ماراثون الاتفاق، لكل منهما فلسفته في ملف العقوبات.. فالصين تعهدت بعدم زيادة عمليات شراء النفط من إيران مع حاجتها لذلك النفط، وروسيا كذلك لن تمضي قدما في أي اتفاقيات عسكرية تزود بموجبها أسلحة استراتيجية أو تكنلوجيا متطورة.

على أية حال فإن حل الأمور بيد النظام الإيراني الذي أجهد نفسه وأجهد شعبه بهذا التجبر والعنجهية التي لن تؤدي به إلا إلى السقوط المدوي.. وليس أمام روحاني وزمرته سوى إعادة التفاوض الذي لا مناص منه، والباب مفتوح لذلك على مصراعيه، لكن سياسة المكابرة الإيرانية تقف بين النظام وبين جيرانه وبينه وبين شعبه وبينه وبين كل من يريد له خيرا، وسيستمر النظام الإيراني في أسلوبه ليستنفد كل الخيارات مع الأوروبيين الذين لن يغامروا بمصالحهم مع العالم من أجل إيران، وإلا فإن الحلم الأوروبي ومنطقة اليورو في خطر، حيث يعرف الجميع أن حركة التجارة العالمية لا بد أن تمر عبر العملة الصعبة "الدولار".

الآراء والمعلومات الواردة في مقالات الرأي تعبر عن وجهة نظر الكاتب ولا تعكس توجّه الصحيفة
تعليقات