سياسة

الصعود إلى سلم التطرف

الخميس 2018.8.9 09:01 صباحا بتوقيت أبوظبي
  • 831قراءة
  • 0 تعليق
عيسى يونس البلوشي

كانت حركة نمور التاميل الانفصالية في سيريلانكا تختار مقاتليها لضمهم في أجنحتها العسكرية وفق مهاراتهم ودرجة التزامهم، وكانت كتيبة "النمور السوداء" الجناح العسكري الأكثر فتكاً بما يوازي قوات الكوماندوز، وللانضمام يتجوب اجتياز العديد من الاختبارات الجسدية والنفسية، تُجرى مقابلات المرشحين بعد انتظارهم في غرف انتظار بسيطة جداً وغير متكلفة، ويكون السؤال الجوهري لاجتياز المقابلة: ماذا وجدت في غرفة الانتظار؟!

على الرغم من المحاولات الكثيرة والأبحاث الدقيقة التي أجراها مختلف الباحثين في علم النفس وعلم الاجتماع وعلم الجريمة والاقتصاد وغيرها لفهم مسببات الإرهاب، إلا أنه تعذر عن وضع سبب أو "بروفايل" ثابت يمكن تطبيقه على كل المتطرفين، فلكل منهم دوافعه ومبرراته

يشكل التطرف ظاهرة مثيرة للاهتمام من قبل الباحثين في شتى ميادين العلم لمحاولة فهم مسبباته وقراءة الدوافع التي تدفع بالإنسان إلى ارتكاب العمليات الإرهابية التي قد تكلف المتطرف روحه، مع تزامن ظهور الرسائل الإعلامية المغلوطة التي تحاول تفسير هذه الظاهرة بعيداً عن تقصي أعماق الشخص المتطرف ودوافعه ونتائجه.

أحد أهم الرسائل المغلوطة هو اعتبار أن الإرهابيين "مجانين"، فهذه الفكرة تعتبر الأسرع لطمأنة الضمير البشري والإجابة الأكثر راحة للسؤال الصعب، تغنيك عن البحث في المسببات والدوافع وطرح الأسئلة القاسية التي دفعت بالشخص إلى الانسلاخ عن منظومة المفاهيم الاجتماعية وقيمها وسلوك طريق الإرهاب، فيكون الجنون الإجابة الأبسط، بما أن العقل البشري بطبيعته يُعجب بالأجوبة البسيطة.

على الرغم من المحاولات الكثيرة والأبحاث الدقيقة التي أجراها مختلف الباحثين في علم النفس وعلم الاجتماع وعلم الجريمة والاقتصاد وغيرها لفهم مسببات الإرهاب إلا أنه تعذر عن وضع سبب أو "بروفايل" ثابت يمكن تطبيقه على كل المتطرفين، فلكل منهم دوافعه ومبرراته ويعتبر التطرف الديني أخطر هذه المسببات، فالمتطرف لا يرى فقط أن العنف مُبرر بل يراه مشروعاً أو واجباً، ويرى في انضمامه لهذه الجماعة أو تلك بُعداً أكبر يُعطي لهذا "النضال" أو "الجهاد" معنى جماعي أكبر من الفرد.

سلم التطرف يعد إحدى نظريات علم النفس المثيرة في فهم عملية التطرف وتأثيرها، فتقوم على اعتبار التطرف مبني من خمسة طوابق، كلما صعد الشخص هذا السلم كلما زادت نزعة العنف في داخله، وكلما كان مهيئاً للتنفيذ أو التنظير للإرهاب.. وذلك على النحو التالي:

- الطابق الأرضي: وهم أشخاص عاديون يشعرون بظلم نفسي نتيجة سوء أحوالهم المادية.

- الطابق الأول: فقد التأثير الاجتماعي، حيث يشعر فيه الفرد وعادة (الشاب) بعدم الرضا عن نواح كثيرة في حياته، وأهمها التعليم والحالة الاقتصادية، ويبحث فيه عن جذور للتحرك الجتماعي لينتقل إلى الطابق الثاني.

- الطابق الثاني: إزاحة الغضب، تتصاعد هنا الرغبة في التنفيس عن الغضب المكتوم بتوجيهه إلى الدولة أو الغرب أو النظام السياسي، وقد يؤدي بصاحبه إلى استخدام العنف.

- الطابق الثالث: نزع القيم الأخلاقية وتبني قيم عنيفة، وليس من الشرط ـن يقوم بتطبيق الـفكار العنيفة، ولكن يرى في الإرهاب والعنف فعلاً قابلاً للتهديد.

- الطابق الرابع: "نحن" و"هم".. حيث تزيد التنصيفات في عين المتطرف ويقسم الناس إلى قسمين، ويرى فيمن يخالفه مستوى أقل من المستوى البشري، وهنا المساحة التي ينشط فيها المنظرون للفكر التكفيري.

- الطابق الخامس: قمة الهرم، حيث يمكن للشخص القتل والتهديد دون إعادة النظر في خطورة الفعل، ويرى بأن القسم الآخر "هم" يستحق التخويف والقتل الجماعي.

لم تكتف النظرية بتحديد درجات التطرف ومسبباته، بل إنها حاولت فهم الطبيعة الوظيفية للإرهابي وإدراجها في هذه البنية: فتجد أن المُنظر للفكر الإرهابي غالباً ما يكون في الطابق الرابع، وإن أفراد الخلايا الإرهابية من الطابق الثالث والرابع، وإن عَلف المنظمات الإرهابية هم القابعون في الطابق الثاني ويمكن التضحية وتجنيدهم للهجمات الانتحارية، وفي أعلى الهرم يتواجد رموز الإرهاب ومصادر الإلهام كأسامة بن لادن أو حسن نصر الله.

فهم عملية التطرف وخطواتها تساعدنا في وضع خطط وإنشاء مبادرات تسهم في الحد من هذه الظاهرة، وقطع بوادر هذه النزعة على الشباب خصوصاً في زمن طفرة المعلومات، وتشكل مبادرات: كصواب واعتدال ومركز الحرب الفكرية وهداية خط دفاع أساسي ووقائي رسمته دولة الإمارات العربية المتحدة والمملكة العربية السعوية في حربهما ضد التطرف، إضافة إلى ما تشهده بطولات أبنائهم في ميادين الفخر في اليمن، حيث يواجه الإرهاب بالسيف والقلم.

وعوداً على سؤال المرشح للالتحاق بكتيبة "النمور السوداء" عما وجده في غرفة الانتظار، فإن أجاب بأنه توجد نافذة وكرسي وطاولة لا يتم قبوله، فهي دلالة على درجة من الوعي والملاحظة والتفكر، الإجابة المنتظرة هي "لاشيء".. حيث لا يرى المتطرف أي شيء في هذه الحياة.. سوى الموت.

الآراء والمعلومات الواردة في مقالات الرأي تعبر عن وجهة نظر الكاتب ولا تعكس توجّه الصحيفة
تعليقات