سياسة

هل تندلع حروب التجارة.. أم يُمنح التفاوض فرصة؟

السبت 2018.3.10 11:10 صباحا بتوقيت أبوظبي
  • 315قراءة
  • 0 تعليق
مجدي صبحي

"نحن لا نسعى لحرب تجارية، بل نسعى إلى التأكد أنه بإمكان الولايات المتحدة التنافس بعدالة في مجال التجارة الدولية"، هكذا جاءت كلمات وزير الخزانة الأمريكي "ستيفن مونشين" لتشي بالرغبة في التوصل إلى حلول، لا توسيع شقة الخلاف مع الشركاء التجاريين.

وقد أتت تلك الكلمات المهدأة في أعقاب تصريحات نارية للرئيس ترامب، أطلق أولها يوم الجمعة 2 مارس، بقوله إن "الحروب التجارية جيدة، وهي حروب يمكن تحقيق الانتصار فيها"، ثم العودة للتأكيد يوم الثلاثاء 6 مارس في مؤتمر صحفي ضمه ورئيس وزراء السويد "حينما نستهدف كل الشركاء التجاريين بلا استثناء فحروب التجارة ليست سيئة كما يبدو عليه الأمر.. الحرب التجارية ستلحق الضرر بهم، وليس بنا". كما جاءت هذه التصريحات مترافقة مع استقالة جاري كون، كبير المستشارين الاقتصاديين للرئيس الأمريكي، ويعد "كون" واحدا من المسؤولين القلائل في الإدارة الأمريكية المناصرين لحرية التجارة، وقدم استقالته بعدما تردد عن حدوث خلاف علني بينه وبين ترامب حول خطط الرئيس الداعية لفرض رسوم جمركية على الواردات من الصلب والألومنيوم.

والواقع أن خطة رفع الرسوم الجمركية، وإن كانت تستهدف الصين في المقام الأول، آثارها في الواقع تصيب أقرب الشركاء والحلفاء السياسيين للولايات المتحدة خاصة في مجال الصلب، فالصين تصدر فقط ما لا يزيد سوى بقليل جدا عن 1% من واردات الولايات المتحدة من الصلب، بينما يأتي شركاء تجاريون مثل كندا والمكسيك وكوريا الجنوبية وتركيا واليابان والهند في قائمة أهم البلدان المصدرة لها.

وفي إطار تشديده على عدم الرغبة في دخول حروب تجارية، أشار وزير الخزانة إلى رغبة الرئيس في الوصول إلى حلول تفاوضية تحقق مصالح الولايات المتحدة، وأشار في هذا الصدد إلى تصريح الرئيس ترامب بأنه إذا ما تم التوصل إلى تفاهم مع كندا والمكسيك بشأن اتفاقية التجارة الحرة لأمريكا الشمالية "النافتا" التي تضم البلدان الثلاثة، والتي يتم إعادة التفاوض حولها الآن في مدينة المكسيك، فلن يتم تطبيق الرسوم الجديدة على صادرات البلدين.

خطة رفع الرسوم الجمركية، وإن كانت تستهدف الصين في المقام الأول، آثارها في الواقع تصيب أقرب الشركاء والحلفاء السياسيين للولايات المتحدة خاصة في مجال الصلب، فالصين تصدر فقط ما لا يزيد سوى بقليل جدا عن 1% من واردات الولايات المتحدة من الصلب

ولكن المشكلة أنه حيثما أراد الرئيس التركيز بشكل رئيسي على الصين، التي تحقق أكبر فائض تجاري مع الولايات المتحدة، الذي سجل العام الماضي رقما قياسيا بلغ 375.2 مليار دولار، فقد عمل على توسيع شقة الخلاف مع الشركاء التجاريين كافة وعلى رأسهم الاتحاد الأوروبي (حقق فائضا تجاريا يربو على 150 مليار دولار مع الولايات المتحدة خلال العام الماضي)، حيث هدد الاتحاد الأوروبي على لسان بعض مسؤوليه أنه سيتم الإقدام على وضع إجراءات انتقامية موضع التطبيق، ردا على أي رسوم جمركية ستفرضها الولايات المتحدة.

ونظن أن التصريحات الأخيرة لوزير الخزانة الأمريكي وتصريحات أخرى صادرة عن الممثل التجاري الأمريكي "لايت هايزر" تستهدف انتزاع تنازلات تجارية كبيرة من الشركاء التجاريين، الذين يحققون فوائض كبيرة في تجارتهم مع الولايات المتحدة، ويأتي ذلك إدراكا منهم في الحقيقة أن بلادهم يمكن أن تخسر من نشوب حروب التجارة، وهو على عكس ما يصرح به الرئيس الأمريكي بأنه يمكن لأمريكا أن تخرج منتصرة وحيدة من هذه الحروب.

وتأتي احتمالات خسارة الولايات المتحدة في حروب التجارة لسببين: الأول هو ارتفاع أسعار المنتجات المستوردة بما يحمله ذلك من ارتفاع فوري في معدلات التضخم، وهو ما سوف يؤثر بدوره على مستويات معيشة المواطنين، لدخول المعدنين المستوردين (الصلب والألومنيوم) في إنتاج العديد من المنتجات، وربما يدفع ارتفاع معدلات التضخم أيضا إلى ارتفاع أسرع وأكبر في معدلات الفائدة الأمريكية، وبما يؤدي إلى خفض معدلات الاستثمار والنمو خلال مدى زمني ليس بالطويل، بينما هذه المعدلات هي ما يراهن عليه الرئيس الأمريكي لتوفير المزيد من فرص العمل للأمريكيين.

أما السبب الثاني فيعود إلى أن ارتفاع معدلات التضخم سيؤدي إلى ارتفاع كلفة المنتجات الأمريكية مقارنة بالمنافسين التجاريين، وهو ما قد يؤثر على ميزان التجارة بالسلب، وذلك على العكس من الأهداف المباشرة التي تتوخاها خطط الحماية الجمركية.

من هنا يمكن القول أن ما يجري حاليا هو ممارسة الولايات المتحدة لأقسى ما تستطيع من ضغوط حتى يمكنها انتزاع تنازلات كبيرة من قبل الشركاء التجاريين الرئيسيين، خاصة من الصين وكندا والمكسيك والاتحاد الأوروبي واليابان. فقد مارست بعض الإدارات السابقة هذه السياسة ونجحت، وإن مرحليا، في تخفيف أزمة ميزان التجارة الأمريكي.

ونشير هنا على سبيل المثال إلى الضغوط التي مارستها إدارة الرئيس الأمريكي رونالد ريجان على اليابان في منتصف ثمانينيات القرن الماضي حتى استجابت لما يسمى بالتقييد الطوعي لصادراتها (A voluntary export restraint (VER، حيث أقدمت اليابان وقتها على خفض بعض صادراتها من سلع معينة للولايات المتحدة لفترة زمنية محددة.

فإذا ما تحقق ذلك فبوسع الرئيس الأمريكي الادعاء بأنه أجبر الشركاء التجاريين على احترام مصالح الولايات المتحدة، وأنه نجح في تحويل الممارسات العدائية في مجال التجارة ضد بلاده إلى التنافس بعدالة، وبما يؤدي إلى خفض العجز التجاري الأمريكي من ناحية، وإلى توفير المزيد من فرص العمل للأمريكيين من ناحية أخرى.

وتكمن المشكلة الحقيقية فقط في ضيق الوقت المتاح مع تصميم الرئيس الأمريكي على فرض الرسوم الجمركية المرتفعة سريعا، فهل يمنح ترامب المفاوضات فرصة أم يقدم على إشعال فتيل حروب التجارة العالمية فورا؟

الآراء والمعلومات الواردة في مقالات الرأي تعبر عن وجهة نظر الكاتب ولا تعكس توجّه الصحيفة
تعليقات