رحلة الدولار في مصر خلال حرب إيران.. كيف تحول الجنيه إلى أفضل عملة أداء في العالم؟
«المركزي المصري» أدار معركة سوق الصرف من الخسائر إلى المكاسب
تراجع سعر الدولار مقابل الجنيه المصري إلى أقل من مستوى 50 جنيهًا لأول مرة منذ نحو ثلاثة أشهر ونصف، في ظل تحسن أداء العملة المصرية خلال الأسبوع الجاري، مدعومًا بانخفاض حدة التوترات الجيوسياسية الإقليمية وتحسن شهية المستثمرين تجاه الأسواق الناشئة.
وشهد الجنيه المصري أمام الدولار تحسنًا ملحوظًا خلال الأسبوع الأخير، بعد فترة من الضغوط التي تعرض لها نتيجة تداعيات اندلاع الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران في نهاية فبراير/شباط 2026، التي أدت إلى خروج مليارات الدولارات من استثمارات الأجانب في أدوات الدين الحكومية المصرية، ما انعكس على سوق الصرف.
سعر الدولار في البنك المركزي المصري
سجل سعر الدولار في البنك المركزي المصري انخفاضًا بقيمة تقارب 5 جنيهات خلال آخر شهرين ونصف، بعدما تراجع من أعلى مستوياته المسجلة مطلع أبريل/نيسان 2026، عندما وصل إلى 54.75 جنيه، ليسجل حاليًا مستويات أقل من 50 جنيهًا، بانخفاض نحو 9.1%.
وأظهرت بيانات المركزي المصري تراجع سعر الدولار إلى 49.84 جنيه للشراء، و49.98 جنيه للبيع، في ظل مواصلة العملة المصرية مسارها الصعودي وسط تحسن معنويات الأسواق العالمية وزيادة الإقبال على الأصول ذات المخاطر الأعلى.
وأصبح الجنيه من بين أفضل العملات أداءً أمام الدولار عالميًا خلال الفترة الأخيرة، مستفيدًا من عدة عوامل، أبرزها انخفاض أسعار النفط عالميًا عقب الاتفاق الأمريكي الإيراني بشأن إعادة فتح مضيق هرمز، إلى جانب استمرار تدفقات الاستثمارات الأجنبية ومرونة نظام سعر الصرف في مصر، بحسب وكالة بلومبرغ.
وذكرت الوكالة، أن الجنيه المصري سجل ارتفاعًا بنحو 4% أمام الدولار منذ يوم الجمعة الماضي، متفوقًا على عدد كبير من العملات التي تتابعها الأسواق العالمية، بالتزامن مع هبوط سعر الدولار في البنوك المصرية إلى ما دون 50 جنيهًا للمرة الأولى منذ مارس/آذار الماضي.
انخفاض أسعار النفط يدعم الاقتصاد المصري
وأشارت "بلومبرغ"، إلى أن انخفاض أسعار النفط العالمية كان أحد العوامل الرئيسية التي دعمت الجنيه المصري، خاصة أن مصر تعد من الدول المستوردة للطاقة، وبالتالي فإن تراجع أسعار الخام يساهم في خفض تكلفة فاتورة الواردات وتقليل الضغوط التضخمية على الاقتصاد المحلي.
كما ساهم الاتفاق الأمريكي الإيراني في تهدئة المخاوف الجيوسياسية التي كانت تدفع أسعار الطاقة إلى مستويات مرتفعة، وهو ما انعكس إيجابيًا على الأسواق الناشئة بشكل عام، وعلى السوق المصرية بشكل خاص.
وأكدت أن الإجراءات الاقتصادية التي اتخذتها مصر خلال الفترة الماضية، وعلى رأسها تطبيق نظام سعر صرف أكثر مرونة وتعزيز دور قوى السوق في تحديد قيمة العملة، ساعدت في تحسين ثقة المستثمرين الأجانب في الاقتصاد المصري.

أداء السندات المصرية
لم يقتصر التحسن على سوق الصرف فقط، بل امتد إلى أداء السندات المصرية المقومة بالدولار، التي سجلت ارتفاعات ملحوظة خلال الفترة الأخيرة، حيث صعدت أكثر من 3% في المتوسط منذ إعلان الاتفاق الأمريكي الإيراني، لتصبح من بين أفضل السندات أداء في أسواق الدول الناشئة، وفق بيانات "بلومبرج".
كما سبق أن أوصى محللون في "سيتي جروب" بشراء السندات المصرية المقومة بالعملة المحلية، مستندين إلى توقعات بأن انخفاض أسعار النفط وتحسن الظروف العالمية قد يدعمان المؤشرات الاقتصادية ويعززان قوة الجنيه المصري.
التعامل مع خروج الأموال الساخنة
وقال الخبير المصرفي، عز الدين حسانين، إن البنك المركزي أثبت قدرته على التعامل مع موجات خروج الأموال الساخنة التي عادة ما تتحرك بسرعة في أوقات الأزمات العالمية، مشيرًا إلى أن هذه الاستثمارات شهدت ضغوطًا خلال فترة تصاعد التوترات الجيوسياسية، ما دفع بعض المستثمرين إلى إعادة توجيه أموالهم نحو أسواق أكثر أمانًا.
وبلغ إجمالي رصيد استثمارات الأجانب في أدوات الدين الحكومية مستوى قياسيًا بقيمة 55.79 مليار جنيه (1.12 مليار دولار)، مدفوعا بزيادة الإقبال على أدوات الدين المصرية، بحسب بيانات البورصة، بعد فترة شهدت خروجًا ملحوظًا لاستثمارات الأجانب من أدوات الدين المصرية حلية بسبب تداعيات التوترات الجيوسياسية.
ووفقًا لبيانات وكالة ستاندرد آند بورز، فإن فترة حرب إيران شهدت خروج نحو 10 مليارات دولار من الاستثمارات في أدوات الدين المصرية.
وكان ارتفاع سعر الدولار خلال فترة الضغوط بمثابة "تسعير عقابي" من جانب البنك المركزي أثناء خروج الاستثمارات قصيرة الأجل، عبر تحريك سعر الصرف بما يقلل من العائد الفعلي للمستثمرين عند تحويل أموالهم إلى الخارج، حسب ما أضاف حسانين لـ"العين الإخبارية".
وأكد أن هذه الآلية لا تعني وجود أزمة في توافر العملة الأجنبية أو ظهور سوق موازية، لكنها تمثل أداة مؤقتة لإدارة حركة رؤوس الأموال خلال فترات الاضطراب العالمي، مشددًا على أن السوق المصرفية المصرية ما زالت تتمتع بدرجة مناسبة من السيولة الدولارية.
وذكر حسانين، أن تعاملات سوق الإنتربنك للدولار (التعاملات الداخلية بين البنوك) في مصر شهدت ارتفاعًا ملحوظًا خلال فترة تصاعد التوترات المرتبطة بالصراع الأمريكي الإيراني، حيث قفزت بنحو 26.3% خلال الشهر الأول من الأزمة، لتسجل حوالي 9.35 مليار دولار خلال مارس/آذار 2026، مقابل نحو 7.4 مليار دولار خلال فبراير/شباط من العام نفسه.

ضرورة زيادة الاستثمارات طويلة الأجل
من جانبه، أكد رئيس قسم البحوث في "الأهلي فاروس"، هاني جنينة، أن أداء الاقتصاد المصري يرتبط بدرجة كبيرة بمستويات الثقة لدى المستثمرين، موضحًا أن البنك المركزي اكتسب خبرة متراكمة في التعامل مع الأزمات والتقلبات الناتجة عن تحركات الأموال الساخنة.
وأضاف جنينة لـ"العين الإخبارية"، أن المرحلة المقبلة تتطلب التركيز على زيادة الاستثمارات الأجنبية المباشرة طويلة الأجل، بدلًا من الاعتماد بصورة أكبر على التدفقات قصيرة الأجل، موضحًا أن الأموال الساخنة رغم أهميتها في توفير سيولة سريعة، فإنها تظل شديدة الحساسية تجاه أي تطورات سياسية أو اقتصادية مفاجئة.
وأوضح أن السيطرة على التضخم تظل التحدي الأساسي أمام الاقتصاد خلال الفترة المقبلة، متوقعًا أن تشهد المؤشرات الاقتصادية تحسنًا تدريجيًا مع استقرار سوق الصرف، مؤكدًا أن الاقتصاد المصري يمتلك مقومات تساعده على امتصاص الصدمات الخارجية، خاصة مع تنوع مصادر النقد الأجنبي واستمرار جهود الإصلاح الاقتصادي.