تكتيك الإغراق بالمسيرات.. سر «اختراق» أوكرانيا الدفاعات الروسية
مع استمرار الهجمات المكثفة بالطائرات المسيرة على موسكو، بدت استراتيجية الإغراق بالمسيرات التي انتهجتها أوكرانيا لتحييد الدفاعات الروسية أو تقليل فاعليتها، ناجعة إلى حد ما.
آخر الهجمات، تلك التي شنتها أوكرانيا على موسكو يوم الخميس الذي «يعد الأكبر منذ اندلاع الحرب»، وهو ما اعتبر «مثالاً جديداً على نجاح استراتيجية أوكرانيا القائمة على إغراق الدفاعات الروسية بطائرات مسيّرة»، بحسب شبكة «سي إن إن» الأمريكية.
وقد كثّفت أوكرانيا منذ عام 2024 هجماتها بعيدة المدى على مصافي النفط والمواقع العسكرية الروسية. كما تمكنت مؤخراً من «اختراق الدفاعات الروسية في سانت بطرسبرغ، وكررت استهداف موسكو، ما جعل الحرب تمتد إلى أكبر مدينتين في روسيا»، تقول الشبكة الأمريكية.
وقال ماركوس شيلر، الباحث الأول في معهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام، إن أوكرانيا «تعمل على تطوير قدراتها الهجومية بشكل مستمر منذ سنوات».
ويُظهر فيديو جنوداً روسيين يطلقون أنظمة دفاع جوي محمولة من طراز «مانباد» من طريق سريع مزدحم في ضواحي موسكو، بينما تمر المركبات بحذر. واعتبر المحلل العسكري ستو راي من شركة «ماكنزي إنتليجنس سيرفيسز» أن هذا المشهد «يعكس غير احترافية للهجوم»، مشيراً إلى «غياب كامل لتنظيم حركة المرور، واستخدام معدات عسكرية بالقرب الشديد من المدنيين والمركبات».
أنظمة الدفاع
في بداية الحرب، ركزت روسيا أنظمة دفاعها الجوي على الحدود مع أوكرانيا وعلى خطوط الجبهة، وفقاً لمصادر عسكرية أوكرانية، لكن استراتيجية كييف اعتمدت على استهداف مواقع متعددة داخل في مناطق سيطرت عليها روسيا خلال الحرب، وداخل موسكو، ما دفع الأخيرة إلى توزيع أنظمتها الدفاعية.
كما استهدفت أوكرانيا منذ سنوات منصات إطلاق الدفاعات الجوية نفسها، إضافة إلى أنظمة الرادار، بهدف إضعاف قدرات روسيا الدفاعية. وتقول القوات المسلحة الأوكرانية إنها دمّرت 166 عنصراً من «العناصر المضادة للطائرات» الروسية منذ بداية هذا العام، وأكثر من 1432 منذ بدء الحرب في 2022.
ويشير خبراء إلى أن أنظمة الدفاع الجوي الروسية لم تُصمَّم أصلاً للتعامل مع هجمات الطائرات المسيّرة، بل لمواجهة الطائرات التقليدية والصواريخ الباليستية وصواريخ كروز، وفقاً لتوماس ويثينغتون، الباحث في العلوم العسكرية بمعهد «رويال يونايتد سيرفيسيز» في لندن.
وقال ويثينغتون لشبكة «سي إن إن»، إن الدفاعات الجوية الروسية «غير مناسبة لهذا النوع من التهديدات. فهي غير مهيأة لاكتشاف وتتبع والتعامل مع هذا النوع من الهجمات، وحتى لو جرى تعديل كبير، سيظل هذا القصور قائماً».
وأضاف أن العقوبات الدولية حدّت من قدرة موسكو على الوصول إلى التكنولوجيا اللازمة لتطوير أنظمة قادرة على مواجهة هذه الهجمات، مشيرًا إلى أنه «حتى لو تمكنت من زيادة الإنتاج، فإنك ستزيد إنتاج أنظمة لا تؤدي المهمة المطلوبة».
تصاعد الهجمات
وقد دفع تصاعد هجمات الطائرات المسيّرة الكرملين إلى تقليص عرض عيد النصر في الساحة الحمراء في مايو/أيار الماضي، حيث لم تُعرض أي معدات عسكرية، خلافاً للسنوات السابقة، بسبب ما وصفته وزارة الدفاع الروسية بـ«الوضع العملياتي الحالي». كما دفعت موسكو إلى الدعوة لهدنة مؤقتة خلال الاحتفالات.
ومع ذلك، يؤكد خبراء أن الدفاعات الروسية ما زالت تسقط نسبة كبيرة من الطائرات الأوكرانية. ففي صباح الجمعة، أعلن الجيش الروسي إسقاط 216 طائرة مسيّرة أوكرانية في أنحاء البلاد.
وقال روبرت بروفدي، قائد قوات الأنظمة غير المأهولة في أوكرانيا، إن العاصمة الروسية كانت تمتلك حتى منتصف مايو/أيار أكثر من 100 منصة إطلاق دفاع جوي وأكثر من 50 نظام دفاع جوي متحرك من نوع «بانتسير».
لكن مع إطلاق أوكرانيا لأكثر من 100 طائرة مسيّرة في هجوم واحد، فمن المرجح أن بعضها ينجح في اختراق الدفاعات حتى لو كانت قوية. كما أن الطائرات المسيّرة الحديثة أكثر صعوبة في الرصد مقارنة بالصواريخ أو الطائرات الكبيرة.
وقال ويثينغتون: «قد تظهر على الرادار، لكن هناك فرق كبير بين رصد هدف على الرادار والحصول على تتبع دقيق له».
وأشار إلى أن الهجمات التي تأتي من مئات الطائرات في اتجاهات متعددة تتطلب تنسيقاً هائلاً من أنظمة الدفاع الروسية المتكاملة، وهو ما «لا يحدث بشكل فعّال».
وأدت الهجمات المتكررة واسعة النطاق إلى تكهنات بشأن احتمال نفاد الذخائر الدفاعية الروسية. ورغم صعوبة التأكد من حجم المخزون العسكري الروسي، فإن استمرار الضربات الأوكرانية الكبيرة والمتكررة من شأنه استنزاف تلك المخزونات.