لماذا نشعر أحيانًا أننا في معركة لا نفهم سببها، لكن لا نستطيع التوقف عن خوضها؟ في طريق الحياة نحتاج إلى القوة النفسية أكثر من التفسير المنطقي للأحداث والتحديات.
فقد أضحت الصحة النفسية ركيزة أساسية لفعالية الفرد، وقوة المجتمع، وجودة الحياة. فالصحة النفسية تتأثر بمجموعة من العوامل المتداخلة؛ تبدأ بالعوامل البيولوجية، كالجينات الوراثية، وتمر بالعوامل النفسية، مثل أنماط التفكير، والقلق، وضعف تقدير الذات، وتمتد إلى العوامل الاجتماعية، كالعلاقات الأسرية، وروابط الأصدقاء، وضغوط العمل، ومستوى التعليم والخبرة، والخوف من فقدان الوظيفة، والطلاق، والديون، إضافة إلى العوامل البيئية ونمط الحياة، بما في ذلك الظروف الاقتصادية، والتغذية، والنشاط البدني، ناهيك عن أهمية العوامل الروحية الإيمانية.
ومع ذلك، تبقى هناك تحديات لا يمكن تفسيرها بهذه العوامل وحدها. فقد يجد الإنسان نفسه أمام عقبات أو مواقف أو أشخاصًا يعترضون طريقه دون سبب واضح، وكأنها اختبارات تفرضها الحياة، ولا يملك أمامها إلا الصبر، والتكيف، والمواجهة، والاستمرار. وهنا تكمن الفكرة التي جسدها ببراعة فيلم "Duel" أو "المبارزة"، الذي أُنتج عام 1971، كفيلم تلفزيوني تحول إلى سينمائي، ويُعد من أبرز أفلام التشويق النفسي في تاريخ السينما. وقد اختار مخرجه أن يروي القصة بالصورة والصوت أكثر من الحوار، ليجعل المشاهد يعيش التشويق والقلق والتوتر والغموض، في حالة نفسية تفسر الأحداث بدلًا من أن يسمع تفسيرًا لها.
تدور أحداث الفيلم حول رجل هادئ، بسيط ومسالم، يقود سيارته في طريقه لقضاء شؤونه على طريق صحراوي، قبل أن يجد نفسه في مواجهة شاحنة ضخمة، تبدأ الأحداث عندما يتجاوز الشاحنة، ليعاود صاحب الشاحنة مطاردته وتجاوزه، ومنعه من التجاوز في الطريق بلا سبب مفهوم، ثم تتصاعد الأحداث، ويزداد سائق الشاحنة عدوانيةً وخطورةً بمواقف مميتة. ولا يقدم الفيلم أي تفسير لهذا العداء، بل لا يظهر وجه سائق الشاحنة طوال الفيلم؛ ليترك المشاهد في مواجهة غموض مستمر، يشبه كثيرًا ما يواجهه الإنسان في حياته عندما تعترضهُ تحديات لا يعرف مبرراتها.
ورغم أن سائق الشاحنة يمثل مصدر الخطر، فإن الفيلم يقدم جانبًا متناقضًا في شخصيته، عندما يساعد في إخراج حافلة مدرسية علقت في الطريق. ويؤكد هذا المشهد أن الإنسان ليس دائمًا شريرًا أو صالحًا بصورة مطلقة، وأن بعض الصراعات قد تكون شخصية أو غير مفهومة، وهو ما يجعل الحياة أكثر تعقيدًا مما تبدو عليه.
تكمن قوة الفيلم في أنه يحول حادثة بسيطة "التجاوز في الطريق" إلى تجربة إنسانية عميقة. فالطريق لا يصبح مجرد مكان، بل رمزًا لمسيرة الحياة، والشاحنة ليست مجرد مركبة، بل تمثل القوة والعقبات التي قد تواجه الإنسان في مسيرة حياته، وعمله، أو علاقاته، أو طموحاته. وربما يجد القارئ نفسه في هذه المطاردة؛ وقد مر يومًا بتجربة شعر فيها أن الحياة أو أحد الأشخاص يضع أمامه عراقيل لا يعرف لها سببًا، فيجد نفسه في مبارزة مستمرة بين الخوف، والصمود، والصبر، والأمل. ولذلك، لا يبدو Duel مجرد فيلم عن المطاردة، بل عملًا يطرح سؤالًا نفسيًا عميقًا: كيف نحافظ على اتزاننا عندما لا نجد تفسيرًا لما يحدث حولنا؟ وهنا تكمن أهمية الصحة النفسية؛ فهي لا تعني غياب الضغوط أو المشكلات، بل امتلاك القدرة على التكيف، وضبط الانفعالات، والقدرة على الاستمرار في الحياة.
ورغم بساطة إنتاج الفيلم، فإنه أصبح من الأعمال الخالدة، بفضل فكرته الإنسانية، وسرده البصري والحركي المتقن، وقدرته على إثارة التأمل بعد أكثر من خمسة عقود على إنتاجه. وما زال يحظى بإعجاب المشاهدين والنقاد، لأنه يقدم تجربة قابلة للتأويل النفسي والاجتماعي، دون أن يفرض تفسيرًا واحدًا على المتلقي.
حقيقةً، يذكرنا الفيلم بأن الحياة لا تسير دائمًا وفق المنطق، وأن بعض المعارك لا نختارها، ولا نفهم مسبباتها، لكننا نملك دائمًا حرية اختيار الطريقة التي نواجه بها عوائق ومخاطر وصعوبات الحياة. فالصحة النفسية لا تتمثل في غياب التحديات والعراقيل، بل في القدرة على مواصلة الطريق رغمها. ولعل هذا المعنى يتناغم مع رسالة اليوم العالمي للصحة النفسية، الذي يُحتفل به في العاشر من أكتوبر من كل عام، تأكيدًا على أن بناء الإنسان نفسيًا لا يقل أهمية عن بنائه علميًا ومعرفيًا أو اقتصاديًا، وأن المجتمعات الأكثر صحة هي تلك التي تمنح أفرادها القدرة على مواجهة تحديات الحياة بثقة، ووعي، ومرونة.
نختم بمداعبة موضوعية، لعل بعض الموظفين سيبتسمون وهم يشاهدون الفيلم، فالشخصية الغامضة التي تلاحق وتطارد البطل بلا تفسير قد تذكّرهم بـمنحنى بيل كيرف (Bell Curve)، الذي تعرض لانتقادات؛ لأنه قد يعزز المنافسة غير الصحية أو التصنيف الجامد في بعض بيئات العمل عند سوء تطبيقه. لذا يتحول منحنى "بيل كيرف" أحيانًا في بيئة العمل إلى سائق شاحنة إداري صامت، يضع الأشخاص في تصنيفات لا يعرف أحد كيف وصلت إليها أو لماذا توقفت عنده! تمامًا كما لم يكشف الفيلم هوية سائق الشاحنة أو دوافعه، وتبقى الحكمة أننا نتخطى هذه العقبات والتحديات والعراقيل والمخاطر عبر المحافظة على صحتنا النفسية والاستمرار في الطريق بمحاولاتنا بثقة واتزان دائمين.
الآراء والمعلومات الواردة في مقالات الرأي تعبر عن وجهة نظر الكاتب ولا تعكس توجّه الصحيفة