لغز الاقتصاد الأمريكي.. نمو في الأرقام والاستطلاعات تروي قصة مختلفة
تحدث تحليل نشرته صحيفة فايننشال تايمز البريطانية عن تراجع دور الاستبيانات الاقتصادية في إظهار الواقع الحقيقي للاقتصاد الأمريكي.
وقال التحليل إنه رغم أن الاقتصاد الأمريكي يواصل تسجيل أداء يفوق التوقعات، فإن استطلاعات الرأي الخاصة بالمستهلكين والشركات ترسم صورة مختلفة تماما، إذ توحي بأن الاقتصاد يعيش أجواء ركود، بينما تشير البيانات الفعلية إلى استمرار النمو.
ونقل التقرير عن رئيس مؤسسة روكفلر إنترناشيونال ومؤلف كتاب "What Went Wrong With Capitalism"، الكاتب روتشير شارما، أن هذه الفجوة تكشف أن استطلاعات الثقة الاقتصادية فقدت كثيراً من قدرتها على التنبؤ بالواقع.
ومن المنتظر أن يُظهر تقرير الناتج المحلي الإجمالي الأمريكي، المقرر صدوره خلال أيام، أن الاقتصاد حقق مرة أخرى معدل نمو يتجاوز 2%.
لكن هذا الأداء لا ينعكس في المزاج العام للمستهلكين، حيث يواصل الأمريكيون الإنفاق بوتيرة قوية، رغم أن استطلاعات الرأي تظهر مستويات غير مسبوقة من التشاؤم، لتصل الفجوة بين ما ينفقه المستهلكون وما يعبرون عنه من مشاعر سلبية إلى أعلى مستوياتها على الإطلاق.
استبيانات الأعمال
ولا يقتصر هذا التناقض على المستهلكين، بل يمتد أيضا إلى قطاع الأعمال. فمنذ جائحة كورونا، أشارت استطلاعات معهد إدارة التوريدات (ISM) الخاصة بقطاعي التصنيع والخدمات عدة مرات إلى اقتراب الاقتصاد الأمريكي من الركود، إلا أن هذا الركود لم يتحقق على أرض الواقع.
وفي المقابل، بدت استطلاعات S&P الأحدث والأكثر شمولاً أقرب إلى تصوير الواقع الاقتصادي، لكنها رغم التحسن الأخير لا تزال تشير إلى أداء أضعف من معدلات النمو الفعلية التي يسجلها الاقتصاد الأمريكي.
ورغم هذه الإخفاقات، لا تزال نتائج هذه الاستطلاعات الشهرية تحظى باهتمام واسع من وسائل الإعلام والمستثمرين في وول ستريت، وهو ما يعتبره الكاتب أمراً لافتاً، لأن النتائج أصبحت – بحسب وصفه – "معطلة" أو غير قادرة على تقديم صورة دقيقة.
أسباب عدم الدقة
ويعزو الكاتب ذلك إلى عدة أسباب، في مقدمتها انخفاض معدلات المشاركة في الاستطلاعات، وهو ما يؤدي إلى تشويه النتائج.
كما أن وسائل التواصل الاجتماعي أصبحت بيئة تعزز مشاعر السخط والاستياء بغض النظر عن سرعة نمو الاقتصاد، بينما تجعل حالة الاستقطاب السياسي الناخبين ينظرون إلى الأوضاع الاقتصادية بصورة سلبية عندما يكون الحزب المنافس في السلطة.
وتؤكد دراسات حديثة أن تراجع موثوقية استطلاعات الرأي لا يقتصر على الولايات المتحدة، بل يمتد أيضاً إلى منطقة اليورو والمملكة المتحدة، حيث أصبحت هذه المؤشرات أقل قدرة على التنبؤ بالاتجاهات الاقتصادية مقارنة بما كانت عليه في السابق.
ويرى شارما أن أحد أهم أسباب هذا الخلل يتمثل في اتساع فجوة عدم المساواة في توزيع الدخل والثروة. ففي الولايات المتحدة، أصبحت أغنى 10% من السكان مسؤولة عن نصف الإنفاق الاستهلاكي، مقارنة بنحو ثلث الإنفاق فقط قبل ثلاثة عقود. ولذلك، ليس من المستغرب – بحسب الكاتب – أن تبدو الأغلبية أكثر تشاؤماً، حتى في ظل استمرار النمو الاقتصادي.
وفي الوقت نفسه، ساهمت وسائل التواصل الاجتماعي، من خلال التركيز المستمر على أنماط حياة فاحشي الثراء، في زيادة شعور كثير من الناس بعدم الرضا عن أوضاعهم مقارنة بما يشاهدونه يومياً، حتى وإن كانت أوضاعهم المعيشية مستقرة.
ويضيف أن الانقسام السياسي بلغ مستويات غير مسبوقة. فبصرف النظر عن مؤشرات مثل التضخم أو البطالة، يبدو الاقتصاد الأمريكي هذا العام في وضع قريب للغاية من وضعه خلال عام 2024، وهو العام الأخير للرئيس جو بايدن، رغم تولي دونالد ترامب الرئاسة.
ومع ذلك، شهدت نظرة الناخبين للاقتصاد تحولاً جذرياً خلال فترة قصيرة. فقد انخفضت نسبة الديمقراطيين الذين يرون أن الاقتصاد في حالة جيدة أو جيدة إلى حد ما من 70% إلى 5% فقط، بينما ارتفعت النسبة نفسها بين الجمهوريين من نحو 5% إلى 70%، وهو ما يعكس تأثير الانتماء السياسي على تقييم الأوضاع الاقتصادية أكثر من تأثير البيانات الفعلية.
وينطبق الانقسام نفسه على استطلاعات الشركات. فمعظم استطلاعات قطاع التصنيع تركز على الشركات الكبرى، وهي أكثر قدرة على التعامل مع حالة عدم اليقين الناتجة عن التضخم، بينما تكشف استطلاعات الشركات الصغيرة استمرار تراجع الثقة، بما يتماشى مع الحالة المزاجية للمستهلكين ذوي الدخل المنخفض.
وقبل التحسن الأخير، كانت مؤشرات ISM تتراجع في الوقت الذي كانت فيه أسواق الأسهم تعيش موجة صعود قوية، وهو وضع غير معتاد تاريخياً، ويشير إلى أن هذه المؤشرات أصبحت تقدم إشارات مضللة للأسواق.
ومؤشرات ISM هي مجموعة من المؤشرات الاقتصادية التي يصدرها معهد إدارة التوريد (Institute for Supply Management - ISM) في الولايات المتحدة، وتُعد من أهم المؤشرات التي يقيس بها المستثمرون صحة الاقتصاد الأمريكي واتجاهاته.
وحتى الآن، لا تزال استطلاعات قطاع التصنيع تتوقع عوائد سوقية وأرباح شركات أقل من النتائج الفعلية التي تحققت.
ولم يعد مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي يثق بالكامل في القيمة التنبؤية لهذه الاستطلاعات. فقد أشار الرئيس السابق للمجلس جاي باول إلى أن الأمريكيين يواصلون التعبير عن نظرة متشائمة تجاه الاقتصاد، "ثم يخرجون لشراء سيارة جديدة"، في إشارة إلى التناقض الواضح بين ما يقولونه وما يفعلونه.