اقتصاد

التشاؤل سيد الموقف في الاقتصاد العالمي

الجمعة 2019.1.11 08:52 صباحا بتوقيت أبوظبي
  • 414قراءة
  • 0 تعليق
مجدي صبحي

يعود سك مصطلح "المتشائل" إلى الروائي الفلسطيني الراحل إميل حبيبي، في روايته الرائعة "الوقائع الغريبة في اختفاء سعيد أبي النحس المتشائل" الصادرة عام 1974، ويقصد بهذا المصطلح عدم تبين حالة المرء، ما إذا كان متفائلا أم متشائما، وربما أفضل ما يبين هذا المعنى بوضوح هذه الفقرة القصيرة من الرواية التي شاع اقتطافها والتي جاء فيها:

"خذني أنا مثلاً، فإنني لا أميز التشاؤم عن التفاؤل، فأسأل نفسي: من أنا؟ أمتشائم أنا أم متفائل؟ أقوم في الصباح من نومي فأحمد الله على أنه لم يقبضني في المنام، فإذا أصابني مكروه في يومي أحمده على أن الأكره منه لم يقع، فأيهما أنا: أمتشائم أنا أم متفائل؟".

هناك حالة مراوحة بين التفاؤل والتشاؤم في الأسواق، ربما لن تستقر تماماً إلا بعد الاجتماع المقبل للجنة الفيدرالية للسوق المفتوحة في مجلس الاحتياطي الفيدرالي التي تحدد سعر الفائدة، وهو الاجتماع المقرر له يوما 29 و30 من شهر يناير الجاري

وربما تكون حالة التشاؤل هي أصدق وصف يمكن إطلاقه على الوضع الحالي للاقتصاد العالمي، إذ تتردد حالة المتعاملين والمحللين والمراقبين في الأسواق المختلفة ما بين التشاؤم والتفاؤل خلال اليوم الواحد، حيث يصعب في نهاية اليوم وصف الحالة بما إذا كان يطغي عليها التفاؤل أم التشاؤم، ويتمحور هذا التفاؤل والتشاؤم حول سؤال مركزي مطروح منذ أكثر من شهر، وهو: هل يتجه الاقتصاد العالمي إلى تباطؤ كبير في النشاط الاقتصادي، بل ربما ركود، أم أن هذا التباطؤ لن يحدث أو لن يحدث على الأقل بدرجة التوقعات المتشائمة نفسها؟ كما يستتبع ذلك سؤال مهم آخر.. بشأن إذا كان التباطؤ إذا وقع سيحدث بشكل متزامن في الاقتصادات كافة، خاصة الكبرى منها، أم سينجو البعض حيث يوفر مجالاً للآخرين للخلاص بسرعة نسبية من حالة التباطؤ في حال وقوعها.

التجارة العالمية

المصدر الرئيسي للتردد ما بين التشاؤم والتفاؤل يعود في أغلبه إلى حالة التجارة العالمية، خاصة بين واشنطن وشركائها الرئيسيين، فبعد التصعيد المستمر لنحو سبعة أشهر بدءاً من شهر مايو الماضي فيما أطلق عليه حرب التجارة التي شنها البيت الأبيض على شركاء الولايات المتحدة التجاريين، خاصة الصين، اتجهت الأمور للتهدئة النسبية والتقطت الأسواق أنفاسها بعض الشيء عقب الاجتماع الذي تم على هامش قمة العشرين في الأرجنتين بين الرئيسين الأمريكي والصيني يوم الأول من ديسمبر الماضي.

فقد اتفق في هذا الاجتماع على هدنة لمدة ستة أشهر لا يتم خلالها تطبيق رفع الرسوم الجمركية كما كان مخططاً، ومنح فرصة للجانبين للتوصل إلى حلول تفاوضية للمشكلات التجارية العالقة بينهما، وبدأت موجة متفاءلة تسود بعد إعلان الرئيس الأمريكي ترامب عقب محادثة تليفونية مع نظيره الصيني في الأسبوع الماضي بأنه متفاءل بتوصل البلدين لاتفاق تجاري بينهما، ثم جاءت المحادثات التي جرت بين الجانبين في العاصمة الصينية بكين خلال الفترة 7 إلى 9 يناير لتؤكد إمكانية حقيقية في التوصل لحل للخلافات التجارية، وكان من الطبيعي أن تتفاعل الأسواق المختلفة إيجابياً مع هذه التصريحات والتحركات، فقد شهدت أسواق المال ارتفاعاً واضحاً خلال العام الجديد بعد أن سجلت خلال شهر ديسمبر الماضي أسوأ أداء لها خلال هذا الشهر، منذ تفجر الكساد العظيم في نهاية عشرينيات القرن الماضي، وشمل هذا الارتفاع كافة أسواق المال تقريباً في آسيا وأوروبا والأمريكيتين.

والوضع مماثل في سوق السلع؛ حيث بدأت أسعار بعض السلع وعلى رأسها النفط في الارتفاع، بعد أن شهدت أسوأ هبوط لها خلال الربع الأخير من العام الماضي، إذ إن حل الخلافات التجارية يعني أن العالم ربما لا يمر بالضرورة بحالة التباطؤ الاقتصادي المتوقعة، ومن ثم يزيد الطلب على النفط وترتفع أسعاره، ويعزز من ذلك بالطبع بدء تخفيض إنتاج النفط في مجموعة أوبك+ بدءاً من الشهر الجاري.

ورغم كل ما سبق إلا أن المتعاملين والمراقبين ما زالوا يتوجسون خيفة من عدم التوصل لاتفاق في النهاية بين الجانبين، وهو ما يجعل التردد بين حالة التشاؤم والتفاؤل حالة سائدة حتى يتبين الخيط الأبيض من الخيط الأسود، أي اتفاق أو لا اتفاق، خلال فترة الهدنة القصيرة المستمرة حتى بداية شهر مارس المقبل.  

أسعار الفائدة الأمريكية

في مجال أسعار الفائدة الأمريكية وبما يترتب عليها من آثار على الاقتصاد الأمريكي والاقتصاد العالمي من حالة تباطؤ في النشاط الاقتصادي؛ نجد أيضاً أن الوضع ينتقل بين التفاؤل والتشاؤم بسرعة شديدة، فبعد أن رفع مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي أسعار الفائدة بمقدار ربع في المائة في شهر ديسمبر الماضي، تم الإشارة إلى أنه ربما يشهد عامنا الحالي المزيد من الرفع، وهنا ثارت حالة من التوتر في أعقاب هجوم متكرر من الرئيس الأمريكي على المجلس ورئيسه، وزاد التوتر بشكل خاص بعد أن ذكر جيروم باول رئيس الاحتياطي الفيدرالي في تأكيد على استقلالية المجلس أنه لن يتقدم باستقالته لو طلب منه الرئيس ترامب ذلك، وفي أعقاب الأداء السيئ لأسواق المال في الولايات المتحدة والعالم، بات العديد من المتعاملين والمراقبين يرجحون أن الاحتياطي الفيدرالي لن يقدم على رفع سعر الفائدة في ظل الانخفاضات الكبيرة التي شهدتها هذه الأسواق، ودفع هذا بموجة من التفاؤل بأنه ربما لن نشهد تباطؤاً اقتصادياً مع تثبيت سعر الفائدة الأمريكي، وهو تفاؤل بدت سعيدة به أيضا العديد من بلدان الاقتصادات الناشئة التي تعاني بشدة في محاولة كبح نزوح رؤوس الأموال منها نحو الدولار الأمريكي، في الوقت الذي تعاني فيه من اضطراب في أسواق الصرف وتعاني في سداد ديونها الخارجية المتراكمة، فهذه البلاد مضطرة تحت ضغط أسعار الفائدة الأمريكية إلى رفع أسعار الفائدة فيها حتى تحتفظ برؤوس الأموال الأجنبية، وتحاول اجتذاب المزيد منها، وهو ما يسهم أيضا في تباطؤ النمو في هذه الاقتصادات، ولكن عادت موجة التشاؤم من جديد بعد أن وردت أنباء جيدة من سوق العمل الأمريكي!! حيث تم نشر تقارير تؤكد أن عدد الوظائف الخالية يزيد على عدد العاطلين في الولايات المتحدة.

وتعني هذه الأنباء أن أصحاب الأعمال سيجبرون على رفع مستوى الأجور للحصول على خدمات العمالة، وهو ما يعني ارتفاع معدلات التضخم، فمن المعروف أن العاملين وعلى خلاف أصحاب الأعمال تذهب معظم دخولهم للاستهلاك وليس للادخار، وهو ما يعزز بالطبع من ارتفاع أسعار السلع المختلفة في الأسواق، وحينها سيكون الاحتياطي الفيدرالي مضطراً لرفع سعر الفائدة لمحاصرة التضخم، ومن هنا نجد أن هناك حالة مراوحة بين التفاؤل والتشاؤم في الأسواق، ربما لن تستقر تماماً إلا بعد الاجتماع المقبل للجنة الفيدرالية للسوق المفتوحة في مجلس الاحتياطي الفيدرالي التي تحدد سعر الفائدة، وهو الاجتماع المقرر له يوما 29 و30 من شهر يناير الجاري، وقد يكون لاتجاه المجلس لرفع سعر الفائدة بمقدار ربع في المائة في اجتماعه المقبل، مع القول إنه ليس هناك مجال أمام رفع آخر خلال العام الجاري، كما نتوقع، الأثر التفاؤلي نفسه الذي قد يترتب على تثبيت هذا السعر.

حالة التشاؤل من ثم ربما تستمر لبعض الوقت متأثرة بالأنباء والتطورات التي تشهدها الأسواق، بل ربما الأهم هو تأثرها بالتأويلات المختلفة لتلك الأنباء والتطورات، ويمكن القول إن هذه الحالة ستستمر معنا ربما لما يتراوح بين شهر إلى ثلاثة أشهر حتى يتم ترجيح إذا كنا سنتجه إلى تباطؤ كبير في النشاط الاقتصادي، أم هناك سبيل للعودة إلى تسجيل معدلات نمو معقولة، أي حتى نستقر على إذا كانت الحالة تدعو للتشاؤم فعلا، أم أن هناك مجالاً متاحاً للتفاؤل الموضوعي.

الآراء والمعلومات الواردة في مقالات الرأي تعبر عن وجهة نظر الكاتب ولا تعكس توجّه الصحيفة
تعليقات