سياسة

المنصوري بطل أكتوبر يكشف لـ"العين" سر لقب "الطيار المجنون"

الجمعة 2017.10.6 07:51 مساء بتوقيت أبوظبي
  • 3659قراءة
  • 0 تعليق
اللواء أحمد كمال المنصوري - الطيار المجنون في حرب أكتوبر

اللواء أحمد كمال المنصوري - الطيار المجنون في حرب أكتوبر

لواء طيار أحمد كمال المنصوري، الطيار المجنون في حرب أكتوبر/تشرين الأول، بشهادة جنرالات العدو الإسرائيلي في زمن الحرب عام 1973، ما إن تدخل منزله إلا وتشعر وكأنك في قمرة قيادة حربية، فهذه مانشيتات الصحف التي تستعرض الضربة الجوية الشهيرة في الحرب ونتائجها، وهذه شهادات وتلك نياشين، والأهم خوذة المنصوري الشهيرة التي كانت تصعق طيارين العدو في سماء المعركة. 

المنصوري الذي حقق حلما لم يفارقه منذ أن كان صبيا ابن السادسة، اشتهر بصورته ذات الابتسامة العريضة مرتديا خوذته عقب الحرب، وكان فيها لا يتجاوز الـ25 عاما من عمره، هو اليوم يجاوز الـ63 عاما، وبعد 44 سنة من الحرب ما زال يذكر تفاصيلها وكأنه خلع خوذته بالأمس فقط.

بوابة "العين" الإخبارية حاورته حول أبرز مشاهده في حرب أكتوبر، والتي شاركت في تحقيق النصر.

هل حقا تحتفظ بقطع من طائرات الفانتوم الإسرائيلية التي أسقطتها؟

أحتفظ بصورة لإحدى طائرات العدو التي أسقطتها، في ذلك الوقت هبطنا في موقع انفجار الفانتوم، والتقطت منها قطعة، معروضة بالمتحف الحربي المصري الكائن بقلعة صلاح الدين الأيوبي حتى الآن، وأعتقد أنها من بين الأشياء التي ستشفع لي عند الله لدخول الجنة.

كذلك في منزلي المتواضع غرفة صغيرة أعدتها، وجمعت بها كل نياشيني وصور قطع الطائرات التي أسقطتها، وصوري زمن الحرب، فقد حصلت على جميع نياشين القوات لمسلحة بدءا بوسام الشجاعة والواجب والتدريب ميدالية جرحى الحرب مرتين، حيث لديّ نسبة عجز 50%.


وماذا عن الوصية التي تركتها لأبنائك؟

وصيت أولادي أن يدفنوا كل ما يتعلق بي ويخص الحرب معي في قبري، آملا في أن أدخل الجنة لأني قاتلت في سبيل الله، لست مثل الدواعش الذين يقاتلون مقابل 500 دولار في اليوم.

بإيجاز.. ما مهمتك في حرب 6 أكتوبر؟

كنت رأس حربة في أول طلعة جوية يوم 6 أكتوبر في تمام الثانية ظهرا، كنت أول طائرة انطلقت بين الـ225 طيارة المشاركة في الضربة التي عبرت قناة السويس، وكنت كذلك آخر طائرة هبطت من سماء المعركة يوم 24 أكتوبر حيث نفذت مناورة الموت الأخير، وعلى مدار 18 يوما اشتركت في 52 طلعة عمليات، بما يعادل من 4 إلى 5 طلعات في اليوم، بينا المعدل العالمي، طلعة أو اثنتين في اليوم.

 ومنذ البداية كنت أناجي الله قائلا: (يا رب أنا مش عاوز أموت، لا أريد الشهادة الآن، أنا عايز النصر أو النصر، وليس النصر أو الشهادة).

ما تفاصيل إلغاء الضربة الجوية الثانية؟

سقطت السماء على إسرائيل في لحظة العبور التي لم تجاوز الـ5 دقائق، كان يوم (كيبور) السبت، والإسرائيليون سبتيون لا يخرجون في هذا اليوم، ولذلك اختار الرئيس المصري أنور السادات هذا اليوم للتمويه والخداع، فضلا على كونه في شهر الصيام، وساعة العبور في فترة الظهيرة، حتى يتسنى الأمر ليعبر 1000 ألف جندي مصري و1000 دبابة و2000 مدفع و225 طيارة وفرق الدفاع الجوي لتحمي القوات التي عبرت قناة السويس.

الروس توقعوا 50% خسائر لمصر، يعني أن 120 طيارة لن تعود، بينما حققت الضربة 95% من أهدافها، والخسائر كانت نسبتها 1% ،لكن الوجع كان في القلب.

أكثر المواقف وجعا في ذلك اليوم رغم العبور؟

أول شهيد طيار في الحرب كان الشهيد الطيار عاطف السادات، أخو الرئيس أنور السادات، كان ضمن الطائرات القاذفة الموجهة لضرب المطارات في مواقع العدو ومواقع القيادة بسيناء، وبعد إنهائه مهمته غرد خارج السرب، سأله القائد أين تذهب، عُد، وعبر اللاسلكي وجدناه يتمتم، فبعد ضربة وجهها للمطار وجد طائرتين تقلعان باتجاهه من نفس المطار، فقال بسم الله الله أكبر وصدهما بطائرته لمنعهما واستُشهد فداء مصر، وعندما أُبلغ الرئيس باستشهاد أخيه، قال: (هو أجدع من مين ولا مين، كلهم أولادي، وكلهم فداكي يا مصر).


كيف نجوت من مناورة الموت وخرجت منها بلقب الطيار المجنون؟  

كانت آخر معركة في يوم 24 أكتوبر/تشرين الأول 1973م، وبرغم وقف إطلاق النار يوم 22 أكتوبر/تشرين الأول لكن إسرائيل خانت العهد، وهاجمت هجوما غير عادي يومها لاحتلال السويس لكن لم نمهلهم.

كنا 8 طائرات مصرية في مواجهة 30 طائرة إسرائيلية، وتحقق فينا قول الله تعالى (كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله) فدمرنا لهم 6 طائرات، فأيدنا الله بالنصر.

كان لديّ إصرار ألا أموت على أيدي العدو، وفي خضم المعركة وأنا محلق بطائرتي كانت خطة العدو أن يضربني من الخلف، ونظرت فوجدته خلفي بالفعل يستعد لإتمام مهمته بصاروخ، وعلى الفور وضعت مقدم طائرتي باتجاه الأرض لأهبط في مناورة للعدو، وأنا أدرك جيدا أنه إذا ما هبط ورائي فلن ينجو منها وإذا لم يهبط فسأعاود الصعود وأُسدد الهدف بتبادل الأدوار وضربه من الخلف، ولأعاود الصعود من جديد يستلزم الصعود 6000 قدم، نظرت لمؤشر الارتفاع وجدت 3000 قدم فقط، ويعني أنني هالك لا محالة.

في هذه اللحظات العصيبة ترجيت الله وقلت له: (يدك معي يا رب)، وبتوفيقه أقلعت الطائرة بالفعل، ثم نظرت أمامي فوجدت الطيار الإسرائيلي نفسه الذي كان ينوي تفجيري، فقولت له بدعابة المصريين (ابتسم أنت تموت الآن)، وصوبته بصاروخين فانفجرت طائرته واعتقد الإسرائيليون أنني مت، لكن العكس حدث.

وكيف منحتك مناورة الموت لقب (المجنون)؟

ولي الشرف أن يلقبني العدو بهذا اللقب، فالشهادة الإسرائيلية غير مجروحة؛ لأنها من عدو، هم ليسوا ضعفاء أو جبناء كما نتصور، بل هم منتخب العالم مكونون من أمريكا وفرنسا وألمانيا وإيطاليا، فأنت تحارب عدوا قويا ولك الشرف أن يصفك بالمجنون للفعل الجنوني الذي نفذته في مناورة الموت الأخير المستحيلة بالهبوط من هذا الارتفاع والإقلاع في اللحظة نفسها.

كنتم تحاربون في رمضان، هل أخذتم بفتوى الإفطار؟

الطيار يُسمح له بالإفطار يفطر لحاجته إلى 6000 سعر حراري بعكس الإنسان العادي الذي يحتاج 1000 فقط، القائد أصدر فتواه بالإفطار، بينما أردنا نيل شرف الشهادة ونحن صائمون تيمنًا بغزوة بدر أول غزوة في الإسلام في 10 رمضان، كنا نتناول الطعام من القائد الذي أخذ المبادرة بالإفطار لتشجيعنا، وكنا نرميه في الاتجاه الآخر، ونفذت الـ52 طلعة جوية خلال الـ18 يوما وأنا صائم بعونٍ من الله.

ما علاقة قصة شعرك الحالية بحرب أكتوبر؟

لتدخلن المسجد الحرام بإذن الله محلقين رؤوسكم ومقصرين، يوم 5 أكتوبر ليلة الحرب، جمعت سرب الطيارين الذين يرافقونني الطلعات وقلت لهم: الذي لن يحلق شعره على إسرائيل، لن ينول شرف قيادة طائرة، ولن ينول شرف الشهادة، وبرغم أن شعري كان طويلا، حلقته منذ تلك اللحظة وحتى اليوم.

هل ثمة مقارنة بين الحرب والحج؟

احنا طالعين نقاتل في سبيل الله.


ماذا عن معركة الـ13 دقيقة؟

أنعم الله علي بأطول حرب جوية منذ النكسة في 1967 وحتى 1973م، كنا طيارتين ميج 21 ضد 6 طائرات فانتوم إسرائيلية أمريكية الصنع، اخترقوا حدود مصر عند العين السخنة، وبصدور أمر القتال أقلعنا في اتجاه الطائرات، وأول 30 ثانية حددنا خط سير المعركة، فتمكنت من قتل قائد التشكيل الإسرائيلي رأس الحربة، ليصبحوا 5 طائرات بدلا من 6.

كنا طائرتين بهما 4 صواريخ و400 طلقة وساعة طيران واحدة، وعلى الجانب الإسرائيلي 6 طائرات، بـ48 صاروخا و30 ألف طلقة وقدرة طيران 3 ساعات، والمقارنة بين الطائرتين نجد أن المصرية بمثابة (توك توك) أمام (مرسيدس) هي الفانتوم الإسرائيلية.

بقدرة الله اشتبكنا 13 دقيقة بنجاح، ولم ينالوا منا، طائرتي تطير ساعة واحدة للاشتباك كأقصى قدرة للطيارة، وتستهلك 200 لتر في الدقيقة، فكان بالضرورة أن أوفر وقودي وأدخل في خط مستقيم أمام طائراتهم، وفي مرحلة ما ، أبلغني زميلي أن صواريخنا نفدت وما زالت الطائرات تهاجمنا، فوجهته بأن يدخل فيمن يقترب منه لينفجر الاثنان وينال الشهادة.

شعور كل طيار مهاجم، إذا ما وجد الطيار الآخر يتقدم ليصدمه، تلقائيا يضعف ويأخذ وضع المدافع عن نفسه وتنقلب الآية، وبعد 13 دقيقة انصرفت الطائرات الـ5، حيث ظنوا أننا (مجانين) ولن ينالوا منا، حينها سألت زميلي كم يتبقى من الوقود، فكانت المفاجأة 500 لتر فقط، أي 3 دقائق طيران!.

التعليمات لنا إذا ما نفد الوقود وتوقف المحرك اقفز فورا واترك الطائرة؛ لأنها ستقتلك حيث تعمل كلها بالهيدروليك، لكني أقسمت أمام الرئيس السابق جمال عبد الناصر على ألا أترك سلاحي أبدا حتى أذوق الموت، وكان لا يليق بي ترك طائرتي بعد أن دمرت طائرة فاتنوم بـ50 مليون دولار.

فاستعنت بالله وقررت الهبوط الاضطراري في الشارع، على الطريق الساحلي أمام العين السخنة، ونجحت لأنها لم تكن المرة الأولى، فعلتها في مناورة جوية عام 1968 مخالفا تعليمات الروس الذين اخترعوا الطائرة في الأساس، وكان الهبوط الأول بسبب توقف المحرك نتيجة ضرب الصواريخ كلها مرة واحدة، ثمن الطائرة 50 مليون جنيه، وحينها كانت مصر تعاني الفقر وشعبها لا يحتمل ولا تحصل على السلاح بسهولة.

كررت الفعلة في معركة الـ13 دقيقة بنجاح في أطول معركة جوية بنجاح، فوجئت بعربة نقل، عندما شاهدني سائقها ومن معه فزعوا ونزلوا منها وتركوها بمنتصف الشارع، انحرفت قليلا في المسار ووقفت وفتحت الكبينة ونزلت سجدت لله شاكرا له على أن نجاني من كل هذه الصواريخ والفانتومات.

حبيبتك من تكون؟

هذا الاسم الذي اخترته لطائرتي التي شاركتني أحلك لحظات حياتي، الـ(ميج – 21) ، كنت أعيش معها أكثر من زوجتي وتنافسها في حبي لها، كانت تعني لي كل شيء لأنني أعلم أنها التي سأحارب بها، وبالفعل كانت هي الطائرة 80/40 التي نزلت بها هبوطا اضطراريا في الشارع، وخضت بها معركة الـ13 دقيقة وطارت بعد ذلك في أطول معركة جوية، معركة الـ13 دقيقة، وكتبت لها قائلا:

(إلى ذلك السرب الذي عشت فيه فأخلصت له، إلى ذلك الهوى الذي مات ولكن لم أقتله، إلى طيف حلم جميل لم أره ولن أراه، إلى حبي إلى قلبي، أهدي لمحات حياتي علها تزيح عن قلبي العاشق جرحا لم يندمل، وسيظل ينزف كلما اندمل، نعم أحبك أيتها الذاهبة، وإن لم يبق بيننا إلا الفراق وما أمرُّه).


تعليقات