أوروبا و«اختبار هرمز».. «خيارات محدودة» في «لحظة دقيقة» (خبيران)
«لحظة دقيقة» تواجهها أوروبا في ظل الحرب على إيران، حيث تفرض أزمة مضيق هرمز تحديات غير مسبوقة على صناع القرار بتكتل القارة العجوز.
ويرى خبراء، في قراءات منفصلة لـ«العين الإخبارية»، أنه بين الضغوط الدولية لحماية الملاحة البحرية ورفض الانخراط في مواجهة عسكرية، تبدو أوروبا منقسمة بين نهج دبلوماسي حذر وخيارات أمنية محدودة، تعكس تباين المصالح والرؤى داخل عواصم القارة.
مسارات
في قراءته، يعتبر الباحث في المعهد الفرنسي للعلاقات الدولية توماس غومار، أن "أوروبا غير مستعدة حاليًا للدخول في مواجهة عسكرية مباشرة في الشرق الأوسط، لكنها لا تستطيع في الوقت ذاته تجاهل المخاطر على إمدادات الطاقة".
وفي حديثه لـ«العين الإخبارية»، يقول غومار إن «الخيار الأقرب هو تعزيز الحضور البحري الدفاعي دون الانخراط القتالي»، موضحا أن «أزمة مضيق هرمز تكشف عن واقع أوروبي معقد، حيث تتقاطع المصالح الاقتصادية مع الحسابات السياسية والأمنية».
ولفت إلى أن «الموقف الأوروبي في مسألة مضيق هرمز يعكس حالة من التردد الاستراتيجي لأن أوروبا -ورغم إدراكها العميق لأهمية أمن الطاقة-، إلا أنها لا تمتلك في الوقت الراهن الإرادة السياسية ولا الجاهزية العسكرية للدخول في مواجهة مباشرة بمنطقة شديدة التعقيد».
وبحسب الخبير، فإن «هذه الرؤية تكشف عن أزمة بنيوية داخل القرار الأوروبي، فالقارة تعتمد بشكل كبير على استقرار الإمدادات، لكنها في الوقت ذاته تحاول تفادي الانزلاق إلى صراع قد يتجاوز قدراتها أو يجرها إلى مواجهة مع قوى إقليمية ودولية كبرى».
وتابع: «من هنا، يبدو خيار تعزيز الحضور البحري الدفاعي حلاً وسطًا، يهدف إلى طمأنة الأسواق وحماية المصالح دون كسر الخط الأحمر المتمثل في الانخراط القتالي المباشر».
وبالنسبة للباحث الفرنسي، فإن «الأزمة لا تتعلق فقط بالأمن البحري، بل تكشف عن تشابك معقد بين الاقتصاد والسياسة والأمن داخل أوروبا نفسها».
وموضحا هذا التداخل يقول إن «الدول الأوروبية ليست على قلب رجل واحد عندما يتعلق الأمر بتحديد الأولويات: هل يتم تقديم المصالح الاقتصادية، أم الحفاظ على الاستقرار السياسي الداخلي، أم تجنب المخاطر الأمنية؟ فهذا التداخل يجعل أي قرار أوروبي بطيئًا ومليئًا بالتوازنات الدقيقة».
ويرى أن الجمع بين المبادرات الدبلوماسية الطموحة والانسحابات العسكرية التكتيكية ليس تناقضًا، بل هو انعكاس لمحاولة إدارة أزمة متعددة الأبعاد بأقل الخسائر الممكنة.
كما يعتبر أن «أوروبا لا تسعى فقط لتجنب الحرب، بل تحاول أيضًا إعادة تعريف دورها كقوة موازِنة لا مقاتِلة، وهو توجه قد يرسم ملامح سياستها الخارجية في السنوات القادمة».
تقدير المخاطر
من جهته، قال أستاذ العلاقات الدولية بمعهد توماس مور للدراسات السياسي في باريس، جون سيلفستر مونجريني لـ«العين الإخبارية»، إن «جوهر المشكلة ليس في القدرة، بل في اختلاف تقدير المخاطر بين الدول الأعضاء».
ويوضح مونجريني أن «بعض الدول ترى أن التورط العسكري لحماية المصالح الاقتصادية قد يكون مكلفًا وغير مبرر، خاصة في ظل تجارب سابقة أثبتت صعوبة الخروج من النزاعات في الشرق الأوسط».
ويرى أنه «في المقابل، تخشى دول أخرى أن يؤدي الانسحاب أو الحياد المفرط إلى فقدان النفوذ وترك المجال لقوى أخرى لملء الفراغ».
وهذا التباين في الرؤى، وفق الخبير، يفسر «حالة اللاقرار التي تبدو عليها أوروبا، حيث لا يوجد توافق حقيقي على استراتيجية موحدة، بل مجرد تقاطعات مؤقتة بين مصالح وطنية مختلفة».
ورسم مونجريني ثلاثة سيناريوهات للموقف الأوروبي وهي «الحياد الحذر، والتأمين البحري المحدود، والانخراط غير المباشر»، لافتا إلى أن هذه الخيارات الأوروبية ضمن نطاق واقعي بعيد عن المثالية.
وأوضح أن السيناريو الأول يعكس رغبة في كسب الوقت وتفادي التصعيد، لكنه قد يُفسَّر كضعف، بينما يوفر الثاني حماية عملية للمصالح دون مخاطرة كبيرة، لكنه يظل محدود التأثير في حال تفاقم الأزمة.
أما الثالث، أي الانخراط غير المباشر عبر الاستخبارات والتكنولوجيا، فيتابع، فيمثل محاولة للموازنة بين الفعالية وتجنب التورط، لكنه يطرح تساؤلات حول مدى استقلالية القرار الأوروبي في ظل الاعتماد المحتمل على شركاء آخرين.
مبادرة لتفادي التصعيد
طرحت مسؤولة السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي، كايا كالاس، مبادرة جديدة بالتعاون مع الأمم المتحدة لتأمين الملاحة في مضيق هرمز، مستلهمة تجربة "مبادرة البحر الأسود" التي أُطلقت عام 2022 لضمان تصدير الحبوب الأوكرانية.
وأوضحت أنها ناقشت المقترح مع الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش، مشيرة إلى أن أهمية المضيق لا تقتصر على النفط، بل تشمل أيضًا سلاسل الإمداد العالمية، خاصة الأسمدة، ما قد ينعكس على الأمن الغذائي العالمي في حال تعطلها.
وضمن الخيارات المطروحة، يبحث الاتحاد الأوروبي إمكانية توسيع مهام عمليتي «أسبيدس» و«أتالانتا» لتشمل مضيق هرمز، غير أن هذه الخطوة تصطدم بقيود سياسية وعسكرية، أبرزها ضرورة موافقة الدول الأعضاء وتعديل قواعد الاشتباك.
كما يجري طرح فكرة «تحالف الراغبين»، الذي يضم عددًا محدودًا من الدول المستعدة للمشاركة، في ظل صعوبة تحقيق إجماع أوروبي شامل.
مواقف
في سياق يعكس الحذر الأوروبي، قررت إسبانيا سحب قواتها الخاصة مؤقتًا من العراق بسبب تدهور الوضع الأمني.
وأكدت وزارة الدفاع أن القرار جاء بعد تعذر تنفيذ المهام الموكلة، مع ضمان نقل الجنود إلى مواقع آمنة، بحسب صحيفة «لوموند» الفرنسية.
وتشارك القوات الإسبانية ضمن التحالف الدولي ضد تنظيم «داعش»، حيث تركز مهامها على التدريب والدعم، ما يجعل هذا الانسحاب مؤشرًا على تراجع الاستعداد الأوروبي للانخراط الميداني في بيئات عالية المخاطر.
من جانبه، أكد وزير الخارجية الإيطالي أنطونيو تاياني أن الحل يجب أن يكون دبلوماسيًا، مشددًا على عدم وجود نية لتوسيع المهام البحرية الأوروبية إلى مضيق هرمز، وأن أي دولة أوروبية لم توافق حتى الآن على المشاركة العسكرية.
فيما أعلن وزير الخارجية الألماني يوهان فاديفول رفضه لأي دور لحلف شمال الأطلسي في المضيق، مفضلًا استخدام العقوبات والضغط السياسي بدلًا من التدخل العسكري.
أما فرنسا فتواصل اتباع نهج متوازن، حيث تؤكد دعمها لأمن الملاحة الدولية دون الانخراط في حرب مفتوحة.
والثلاثاء، قال ماكرون في مستهل اجتماع لمجلس الدفاع في قصر الإليزيه، رافضا طلبا من الرئيس الأمريكي دونالد ترامب: "لسنا طرفا في النزاع، وبالتالي لن تشارك فرنسا أبدا في عمليات فتح أو تحرير مضيق هرمز في الظرف الراهن".
وأضاف: "في المقابل، نحن مقتنعون بأنه عندما تصبح الأوضاع أكثر هدوءا (...) أي عندما تتوقف ذروة القصف، فنحن مستعدون، مع دول أخرى، لتحمّل مسؤولية نظام مواكبة"، مشددا على أن ذلك "يفترض أيضا إجراء نقاشات، لا سيما مع إيران".