خبير فرنسي: أزمة الكيروسين في أوروبا مرشحة للتحول إلى اضطراب اقتصادي واسع
حذّرت شركات الطيران الأوروبية من احتمال حدوث نقص حاد في وقود الطائرات (الكيروسين) خلال الأسابيع المقبلة، في ظل تداعيات الحرب في الشرق الأوسط.
وطالبت الشركات الاتحاد الأوروبي باتخاذ إجراءات عاجلة لتأمين الإمدادات وتخفيف الأعباء على القطاع. وتأتي هذه التحذيرات في وقت تتزايد فيه الضغوط على حركة الطيران بسبب إغلاق الأجواء واضطراب سلاسل الإمداد.
وأكد الخبير الاقتصادي الفرنسي المتخصص في الاقتصاد الكلي، والباحث في مدرسة الإدارة في باريس، نيكولا بوزو، في تصريحات خاصة لـ"العين الإخبارية"، أن قطاع الطيران الأوروبي يواجه تحديات غير مسبوقة نتيجة التوترات الجيوسياسية، مشيرًا إلى أن استمرار الأزمة قد يؤدي إلى اضطرابات واسعة في حركة النقل الجوي وارتفاع كبير في التكاليف.
وأضاف بوزو أن "أي خلل في إمدادات الكيروسين، حتى لو كان مؤقتًا، سينعكس فورًا على أسعار التذاكر وسلاسل النقل العالمية، خاصة مع اعتماد أوروبا الكبير على واردات الطاقة".
وأوضح الخبير الاقتصادي الفرنسي أن أزمة الكيروسين المحتملة في أوروبا لا يمكن قراءتها كحدث عابر مرتبط فقط بالتوترات الجيوسياسية الحالية، بل هي انعكاس عميق لهشاشة هيكلية في منظومة الطاقة الأوروبية وسلاسل الإمداد العالمية.
أزمة حقيقية
وأكد بوزو أن قطاع الطيران يُعد من أكثر القطاعات حساسية لأي اضطراب في الطاقة، لأنه يعتمد بشكل شبه كامل على الوقود الأحفوري، ولا يمتلك حتى الآن بدائل عملية واسعة النطاق يمكنها تعويض الكيروسين في المدى القصير، موضحًا أن أي خلل، حتى لو كان محدودًا، في الإمدادات يمكن أن يتحول سريعًا إلى أزمة تشغيلية واسعة.
وأضاف أن ما يحدث حاليًا في الشرق الأوسط، خاصة مع التوترات في مضيق هرمز، يمثل "نقطة اختناق استراتيجية" للاقتصاد العالمي، حيث يمر جزء كبير من صادرات النفط والغاز. وبالتالي، فإن مجرد تهديد الملاحة أو ارتفاع تكاليف التأمين والشحن ينعكس فورًا على أسعار الوقود في أوروبا، حتى قبل حدوث نقص فعلي.
وأشار بوزو إلى أن إغلاق بعض المجالات الجوية يفرض على شركات الطيران الأوروبية إعادة توجيه رحلاتها لمسافات أطول، ما يؤدي إلى زيادة استهلاك الوقود ورفع التكاليف التشغيلية بشكل مضاعف.
وتابع: "هذا لا يخلق فقط ضغطًا على الإمدادات، بل يرفع أيضًا أسعار التذاكر، ما قد يحد من الطلب على السفر، خاصة في ظل بيئة اقتصادية تتسم بالتضخم وعدم اليقين".
ورطة أوروبية
ورأى أن مطالبة شركات الطيران بتعليق بعض الضرائب أو آليات تسعير الكربون تعكس "أزمة توازن" بين الأهداف البيئية والواقع الاقتصادي، فبينما تسعى أوروبا إلى تقليل الانبعاثات، تجد نفسها مضطرة، في أوقات الأزمات، إلى تخفيف القيود للحفاظ على استمرارية القطاعات الحيوية.
كما لفت بوزو إلى أن فكرة الشراء الجماعي للكيروسين على مستوى الاتحاد الأوروبي تمثل تغييرًا مهمًا في التفكير الاستراتيجي، شبيهًا بما حدث في سوق الغاز بعد أزمة 2022، مشددًا على أن تطبيق هذا النموذج في سوق النفط والوقود أكثر تعقيدًا، نظرًا لطبيعة السوق العالمية وتشابكها.
وحذّر من أن الخطر الأكبر لا يكمن فقط في نقص الوقود، بل في "تآكل الثقة" داخل السوق، فإذا بدأت الشركات في توقع نقص وشيك، قد تتجه إلى التخزين المسبق، ما يفاقم الأزمة بشكل ذاتي.
وفي المدى المتوسط، يرى بوزو أن هذه الأزمة قد تُسرّع التحول نحو وقود الطيران المستدام، لكنها في الوقت نفسه تكشف أن هذا التحول لا يزال بعيدًا عن تلبية الطلب الفعلي، سواء من حيث الكميات أو التكاليف.
اختبار حقيقي
واعتبر بوزو أن أوروبا أمام اختبار حقيقي لقدرتها على إدارة الأزمات المعقدة متعددة الأبعاد، حيث تتقاطع الجغرافيا السياسية مع الاقتصاد والطاقة والبيئة، مؤكدًا أن الحل لن يكون تقنيًا فقط، بل يتطلب قرارات سياسية سريعة، وتنسيقًا أوروبيًا عالي المستوى، وإعادة التفكير في أمن الطاقة كعنصر أساسي من عناصر الأمن القومي.
كما أكد أن "أزمة الكيروسين المحتملة ليست مجرد أزمة قطاع، بل مؤشر مبكر على شكل التحديات الاقتصادية في عالم يتجه نحو مزيد من عدم الاستقرار والترابط في آن واحد".
وطلبت شركات الطيران الأوروبية من الاتحاد الأوروبي اتخاذ تدابير عاجلة لمواجهة تداعيات الحرب في الشرق الأوسط، خاصة فيما يتعلق بإمدادات الكيروسين، محذّرة من احتمال حدوث نقص خلال الأسابيع المقبلة.
وذكرت تقارير، نقلتها مجلة "نوفل يوزين" الاقتصادية الفرنسية، أن شركات الطيران دعت بروكسل إلى التحرك السريع لمواجهة تداعيات الحرب في إيران، بما في ذلك الإغلاق الواسع للمجالات الجوية وأزمة التزوّد بالوقود.
وتأثر قطاع الطيران بشكل كبير منذ اندلاع الحرب الأمريكية–الإسرائيلية ضد إيران في 28 فبراير/شباط. وأدى ذلك إلى اضطرار شركات الطيران إلى تغيير مساراتها، ما زاد من استهلاك الوقود ورفع التكاليف التشغيلية.
معضلة هرمز
ويواجه القطاع أيضًا تحديات إضافية بسبب اضطرابات الملاحة في مضيق هرمز، أحد أهم الممرات العالمية لنقل النفط، ما يهدد بإحداث نقص في إمدادات الوقود، بحسب المجلة الفرنسية.
وكانت منظمة المطارات الأوروبية قد حذّرت من احتمال تعرض أوروبا لنقص "منهجي" في وقود الطائرات خلال ثلاثة أسابيع فقط إذا استمرت الظروف الحالية.
ودعت مجموعة "إيرلاين فور يوروب" (A4E)، التي تضم كبرى شركات الطيران مثل "لوفتهانزا" و"إير فرانس-كيه إل إم" و"إيزي جيت"، إلى اتخاذ عدة إجراءات عاجلة، أبرزها تعليق مؤقت لسوق الكربون الأوروبي الخاص بالطيران، وإلغاء بعض الضرائب المفروضة على الرحلات الجوية، ودراسة آلية شراء جماعي للكيروسين على مستوى الاتحاد الأوروبي، على غرار تجربة شراء الغاز بعد أزمة 2022.
كما طالبت بتعديل القوانين التي تُلزم الدول بالاحتفاظ باحتياطيات نفطية لمدة 90 يومًا، بحيث تشمل بشكل واضح وقود الطائرات.
حزمة إجراءات
وأعلنت المفوضية الأوروبية أنها ستقدم حزمة إجراءات في 22 أبريل/نيسان للحد من تأثيرات الحرب على أسواق الطاقة، دون تأكيد ما إذا كانت ستتضمن خطوات خاصة بوقود الطيران.
وفي هذا السياق، أوضح متحدث باسم المفوضية أنه "لا توجد حاليًا دلائل على نقص فعلي في الوقود داخل الاتحاد الأوروبي"، لكنه أقر بإمكانية حدوث اضطرابات في الإمدادات خلال الفترة المقبلة.
وأضاف أن إمدادات النفط الخام إلى المصافي الأوروبية لا تزال مستقرة، ولا توجد حاجة فورية للسحب من الاحتياطيات، إلا أن الوضع يبقى محل متابعة دقيقة.
وتعكس هذه التطورات هشاشة قطاع الطيران الأوروبي أمام الأزمات الجيوسياسية، حيث يمكن لأي اضطراب في الطاقة أو الملاحة الدولية أن يتحول سريعًا إلى أزمة تشغيلية واسعة.
ومع استمرار التوترات في الشرق الأوسط، يبقى مستقبل الإمدادات وأسعار الوقود مرهونًا بتطورات المشهد الإقليمي، ما يضع شركات الطيران وصنّاع القرار الأوروبي أمام اختبار حقيقي خلال الأسابيع المقبلة.