ضرب أمريكا في ديونها.. أوروبا تلوح بأوراق قوتها لردع تسلط ترامب
في أي يوم، يستخدم ملايين الأوروبيين برامج مايكروسوفت، ويدفئون منازلهم بالغاز الطبيعي الأمريكي، ويشترون أسهم الشركات الأمريكية، كما يعمل العديد من الأمريكيين ببرامج ألمانية، ويشربون النبيذ الفرنسي، ويتناولون أدوية أوروبية الصنع.
ويُتداول يوميًا بين الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي سلع وخدمات بقيمة تزيد عن 5.4 مليار دولار، مدعومة باستثمارات عابرة للحدود واسعة النطاق تُوفر ملايين الوظائف.
ورغم تراجع الرئيس ترامب عن تهديده بفرض رسوم جمركية إضافية على عدة دول أوروبية لإجبارها على بيع غرينلاند، إلا أن هذه الأزمة مثّلت لحظة حاسمة للمسؤولين الأوروبيين.
قلق عابر للأطلسي
الآن ينظر هؤلاء المسؤولين إلى هذا التدفق الهائل للسلع والخدمات والاستثمارات عبر المحيط الأطلسي كمصدر محتمل للضغط على الولايات المتحدة.
وصرح قادة الاتحاد الأوروبي يوم الخميس بأنهم سيجتمعون في بروكسل "للتنسيق بشأن الخطوات المستقبلية"، التي من المحتمل اتخاذها ضد أمريكا للتذكير بأهمية أوروبا.
وقال إيان بوند، نائب مدير مركز الإصلاح الأوروبي، وهو مركز أبحاث، في تصريحات لصحيفة نيويورك تايمز: "لا يمكن للقادة الأوروبيين أن يتجاهلوا ما حدث في الأسابيع القليلة الماضية"، إذ كانت هذه أخطر أزمة في العلاقات عبر الأطلسي منذ زمن طويل، ولكن مع وجود ترامب في البيت الأبيض، لن تكون الأخيرة.
وبعيدًا عن فرض تعريفات جمركية متبادلة وغيرها من الإجراءات الانتقامية، كيف يمكن للأوروبيين إظهار قوتهم أمام إدارة تعتبرهم ضعفاء، ما الذي يلزم لردع شريك لا يمكن التنبؤ بتصرفاته، يتجاهل النظام الاقتصادي العالمي ويتوقع من الآخرين الخضوع لإرادته.
في هذا الشأن، يقول بيتر تشيس، الباحث البارز في صندوق مارشال الألماني في بروكسل: "بإمكان الأوروبيين القيام بأمور أيضًا".
ويضيف: "السؤال هو: هل سيجنون شيئًا من ذلك أم سيضرون أنفسهم فقط؟".
بيع السندات الأمريكية
وقال ريتشارد بورتس، أستاذ الاقتصاد في كلية لندن للأعمال: "إن الولايات المتحدة تسير على مسار ديون غير مستدام، وهذه هي نقطة الضعف الرئيسية للولايات المتحدة حاليًا من الناحية الاقتصادية".
وأضاف أن أقوى نفوذ اقتصادي لأوروبا يكمن في القطاع المالي.
ويمتلك المستثمرون الأوروبيون كميات هائلة من الأصول المالية الأمريكية، بما في ذلك سندات خزانة بقيمة تريليوني دولار.
وتعاني الحكومة الأمريكية من عجز كبير يعتمد على الدائنين الأجانب لشراء هذه السندات، فماذا لو توقف الأوروبيون عن الشراء؟.
وقال تشيس من صندوق مارشال الألماني: "إذا أدى ذلك إلى رفع تكلفة رأس المال للحكومة الأمريكية، فأعتقد أن هذا أمر يجب على الجميع الانتباه إليه".
استهداف قطاع الخدمات
ويبلغ عدد سكان الاتحاد الأوروبي أكثر من 450 مليون نسمة، وتبيع الشركات الأمريكية لهم كميات كبيرة من الخدمات.
ففي العام الماضي، اشترى الاتحاد الأوروبي خدمات من الولايات المتحدة بقيمة 300 مليار دولار تقريبًا، متجاوزًا بذلك صادراته التي بلغت 200 مليار دولار تقريبًا، وفقًا لبيانات أمريكية.
ويجعل هذا الفائض الولايات المتحدة عرضةً للخطر، لأنه "يمثل أيضاً ورقة ضغط قوية للاتحاد الأوروبي لرفض دخول هذه الخدمات إلى السوق الأوروبية"، كما صرّح إريك فان دير ماريل، كبير الاقتصاديين في المركز الأوروبي للاقتصاد السياسي الدولي، وهو معهد بحثي.
لكنه حذّر قائلاً: "إذا قاطعتم هذا النوع من الخدمات في سوقكم، فإن ذلك سيؤدي إلى انخفاض القدرة التنافسية لقطاعاتكم الاقتصادية".
وأضاف أن الخدمات الرقمية التي تقدمها شركات التكنولوجيا الأمريكية ستكون الأصعب استبدالاً، بينما يمكن إيجاد بدائل أوروبية بسهولة أكبر في مجالي الاستشارات والخدمات المالية.
كما حذر بورتس، من كلية لندن للأعمال، من تقييد خدمات التكنولوجيا الأمريكية، بما فيها الذكاء الاصطناعي، نظراً لشعبيتها في أوروبا.
لكن بإمكان المسؤولين ممارسة ضغوط من خلال زيادة الضرائب على الخدمات الرقمية.
وقد فرضت بعض الدول الأوروبية، من بينها بريطانيا وفرنسا، رسوماً على إيرادات الأسواق الإلكترونية والمعلنين ومحركات البحث.
وقد أثار ذلك غضب إدارة ترامب، التي تعتبر سياسات التكنولوجيا الأوروبية الأكثر صرامة تمييزية بشكل غير عادل ضد الولايات المتحدة.
ما مدى مصداقية هذه التهديدات؟
ويكمن الاختبار الحقيقي لنفوذ أوروبا في قدرتها على تنفيذ أي من هذه الإجراءات.
وفي دافوس، سخر سكوت بيسنت، وزير الخزانة الأمريكي، من عملية صنع القرار الأوروبية المعقدة في كثير من الأحيان.
وقال إن المسؤولين سيشكلون مجموعة عمل أوروبية "صورية" لإخافة الولايات المتحدة، بدلاً من وضع رد حازم على مطالب ترامب بشأن غرينلاند.
وقد تجلى هذا القصور يوم الأربعاء، عندما صوّت البرلمان الأوروبي على تأجيل التصديق على اتفاقية تجارية طال انتظارها بين الاتحاد الأوروبي وأربع دول من أمريكا الجنوبية، ما يُعدّ انتكاسة لجهود التكتل لتنويع علاقاته التجارية بعيدا عن أمريكا.
ووصف بيرند لانج، رئيس لجنة التجارة الدولية في البرلمان الأوروبي، القرار بأنه "غير مسؤول على الإطلاق"، واعتبر ذلك خطأ فادح.