تمرير اتفاق ميركوسور.. أزمة ثقة بين البرلمان والمفوضية الأوروبية
لم يعد اتفاق الاتحاد الأوروبي–ميركوسور مجرد ملف تجاري تقني، بل تحوّل إلى ساحة صراع سياسي وقانوني تعكس توترات أعمق داخل الاتحاد الأوروبي نفسه.
فبين هواجس السيادة القانونية، ومخاوف المزارعين، وضغوط التحول البيئي، والانقسامات بين مؤسسات الاتحاد، جاءت خطوة البرلمان الأوروبي باللجوء إلى محكمة العدل الأوروبية لتؤكد أن هذا الاتفاق يلامس خطوطًا حساسة تتجاوز منطق تحرير التجارة.
وتأجيل المصادقة لا يعكس فقط خلافًا حول بنود قانونية، بل يكشف أزمة ثقة متزايدة بين البرلمان والمفوضية، وبين الرؤية الاقتصادية الليبرالية ومتطلبات الحماية الاجتماعية والبيئية.
ويصبح الاتفاق اختبارًا حقيقيًا لحدود السلطة داخل الاتحاد الأوروبي، ولمدى قدرة مؤسساته على التوفيق بين المصالح الاقتصادية الكبرى والضغوط الشعبية المتصاعدة، خصوصًا في الدول الزراعية وعلى رأسها فرنسا.
وصوت نواب البرلمان الأوروبي، يوم الأربعاء، لصالح إحالة اتفاق التجارة الحرة بين الاتحاد الأوروبي ودول ميركوسور إلى محكمة العدل التابعة للاتحاد الأوروبي، في خطوة من شأنها تأجيل المصادقة النهائية على الاتفاق قرابة عامين، وقد حظي هذا القرار بدعم واسع من المزارعين الأوروبيين، ولا سيما الفرنسيين.
ويعد تصويت البرلمان شرطًا أساسيًا لدخول أي اتفاق دولي حيّز التنفيذ الكامل داخل الاتحاد الأوروبي.
مسار طويل ومعقد
ولم يكن طريق اتفاق التجارة الحرة بين الاتحاد الأوروبي ودول ميركوسور (البرازيل، الأرجنتين، الأوروغواي، والباراغواي) سلسًا. فقد استمرت المفاوضات لأكثر من خمسة وعشرين عامًا، قبل أن يُوقَّع الاتفاق رسميًا في 17 يناير الماضي في باراغواي، بحسب موقع "توت ليوروب".
لكن هذا التوقيع لم يضع حدًا للخلافات، إذ شهد الاتفاق منعطفًا جديدًا في 21 يناير داخل البرلمان الأوروبي في ستراسبورغ.
فقد صوت البرلمان الأوروبي بأغلبية ضئيلة لصالح إحالة الاتفاق إلى محكمة العدل التابعة للاتحاد الأوروبي (334 صوتًا مؤيدًا، مقابل 324 معارضًا و11 امتناعًا)، من أجل التحقق من مدى توافقه مع القانون الأوروبي. وبانتظار قرار المحكمة، الذي قد يستغرق ما بين 12 و18 شهرًا على الأقل، تم تعليق مسار المصادقة البرلمانية.
وينظر إلى هذا التصويت على أنه انتصار واضح للقطاع الزراعي الأوروبي، خصوصًا في فرنسا، حيث احتشد مزارعون بأعداد كبيرة أمام مباني البرلمان الأوروبي في اليوم السابق للتصويت، للضغط على النواب.
نقطتا الخلاف القانوني
طلب النواب من محكمة العدل الأوروبية البت في نقطتين أساسيتين وهما تجاوز المفوضية الأوروبية لصلاحياتها، و عدم توافق آلية إعادة التوازن مع المعاهدات الأوروبية.
ويرى النواب أن المفوضية الأوروبية قامت بتجزئة الاتفاق، عبر الفصل بين الجوانب التجارية والسياسية، بهدف تفادي عرض الاتفاق على البرلمانات الوطنية للدول الأعضاء أثناء عملية التصديق، وهو ما قد يشكّل خرقًا لتفويضها القانوني.
عدم توافق آلية إعادة التوازن مع المعاهدات الأوروبية
يشكك النواب في قانونية بند يعرف بـ"آلية إعادة التوازن"، والذي يتيح لأي طرف المطالبة بتعويضات إذا أدّت تشريعات الطرف الآخر إلى تقليص صادراته.
ويحذر عدد من النواب من أن هذه الآلية قد تُستخدم أساسًا من قبل دول ميركوسور ضد الاتحاد الأوروبي، خاصة إذا فرضت أوروبا شروطًا بيئية أو صحية أكثر صرامة، مثل حظر مبيدات أو تطبيق تشريعات مكافحة إزالة الغابات المستوردة.
إجماع فرنسي نادر
في سابقة لافتة، صوّت جميع النواب الأوروبيين الفرنسيين، على اختلاف انتماءاتهم السياسية، لصالح إحالة الاتفاق إلى المحكمة.
كما قوبل القرار بترحيب واسع في فرنسا. فقد اعتبر الوزير الفرنسي المكلف بالشؤون الأوروبية بنجامان حداد أن التصويت "خطوة مهمة يجب احترامها".
من جهتها، وصفت النائبة مانون أوبري القرار بأنه نصر حقيقي وضربة قاضية لاتفاق مدمر للزراعة والمناخ والصحة.
أما رفائيل جلوكسمان فرأى أن التعبئة الشعبية أثمرت، والديمقراطية الأوروبية قالت كلمتها.
كما رحّب جوردان بادريلا بالتصويت، معتبرًا أنه يضع حدًا لما وصفه بـ"فرض المفوضية الأوروبية للاتفاق بالقوة".
في المقابل، عبر المستشار الألماني فريدريك ميتز عن أسفه للقرار، معتبرًا أنه يعكس «سوء تقدير للسياق الجيوسياسي"، وداعيًا إلى تطبيق الاتفاق بشكل مؤقت.
هل يطبق الاتفاق مؤقتًا؟
بسبب هذه الإحالة، من غير المرجّح أن يصوت البرلمان الأوروبي على المصادقة النهائية قبل مرور 12 إلى 18 شهرًا على الأقل، بانتظار رأي محكمة العدل الأوروبية.
ومع ذلك، يتيح قانون الاتحاد الأوروبي للمفوضية إمكانية التطبيق المؤقت للاتفاق، وهو ما أجازه لها مجلس الاتحاد الأوروبي في 9 يناير.
لكن هذا الخيار يظل محفوفًا بالمخاطر السياسية، خصوصًا في ظل معارضة قوية من عدة دول ونواب، وعلى رأسهم الفرنسيون. كما يبقى احتمال رفض البرلمان الأوروبي للاتفاق نهائيًا، أو حتى حكم المحكمة بعدم توافقه مع المعاهدات الأوروبية قائماً.
aXA6IDIxNi43My4yMTYuNTYg
جزيرة ام اند امز