بين النووي والاقتصاد.. كيف انهارت جاذبية الاستثمار في إيران؟
من قمة مجموعة السبع «G7» التي تستضيفها فرنسا، وهي منتدى سياسي واقتصادي ضمن الأبرز عالمياً، حرص الرئيس الأمريكي دونالد ترامب على تأكيد أن الولايات المتحدة غير ملزمة بالاستثمار في إيران بموجب الاتفاق مع طهران لإنهاء الحرب في الشرق الأوسط.
وشدد على أن واشنطن لن تضخ أموالاً في الاقتصاد الإيراني. وأوضح، خلال مشاركته في قمة مجموعة السبع، أن الهدف الأساسي من الاتفاق يتمثل في منع إيران من امتلاك سلاح نووي، وليس تقديم دعم اقتصادي أو استثماري لها. فلماذا تطرق ترامب لهذه المسألة؟
كانت الاستثمارات دائما هي الجزرة التي تحاول بها واشنطن تطويع النظام في إيران. وكانت العلاقات الأمريكية الإيرانية قد شهدت على مدى العقود الماضية تباينًا كبيرًا في المواقف المتعلقة بالاستثمار والتبادل الاقتصادي، ارتبطت في حدتها بالتطور على صعيد الملف النووي. ورغم أن الولايات المتحدة لم تعرض استثمارات حكومية مباشرة في إيران، فإن سياسة تخفيف العقوبات كانت تُنظر إليها باعتبارها وسيلة لتمكين الشركات الأمريكية والأجنبية من الاستثمار والعمل داخل البلاد.
الاستثمارات أو "النووي"
وقبل عام 1979، كانت البلاد وجهة مهمة للاستثمارات الأمريكية والأجنبية. وركزت الاستثمارات الأجنبية على قطاع النفط والغاز، إلى جانب شراكات قوية في مجالات التصنيع والسيارات والبنوك. واعتمدت هذه الاستثمارات في الغالب على تحالفات استراتيجية بين نظام الشاه وشركات غربية كبرى.
لكن المشهد تغير بشكل جذري بعد الثورة الإيرانية واندلاع أزمة الرهائن، حيث فرضت واشنطن سلسلة من العقوبات الاقتصادية التي حدّت بشدة من فرص الاستثمار والتجارة.
وفي الثمانينيات، اتجهت الحكومة الإيرانية نحو تأميم الصناعات الرئيسية، مثل البنوك والنفط، مما أدى إلى انكماش حاد في دخول رأس المال الأجنبي.
تطور حركة الاستثمار الأجنبي
في عام 1995، اتخذت الولايات المتحدة خطوة أكثر تشدداً بحظر الاستثمارات الأمريكية الخاصة في قطاع الطاقة الإيراني، قبل أن تتوسع القيود لاحقاً لتشمل مجالات اقتصادية وتجارية متعددة.
ووفقاً لدراسة بعنوان " تطور الاستثمار الأجنبي المباشر في إيران: المحددات والأثر الاقتصادي"، ونشرتها جامعة إسطنبول عام 2025، فإنه خلال الفترة من 2001 إلى 2005، ركزت الحكومة الثانية للرئيس الإيراني محمد خاتمي، وهي حكومة إصلاحية تبنت سياسة خفض التوتر، على كسب ثقة المستثمرين الأجانب وتعزيز اطمئنانهم، ما أدى إلى زيادة بطيئة ولكن مستقرة في تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر إلى إيران.
واستمر هذا الاتجاه خلال الحكومة التالية، رغم تصاعد التوترات المتعلقة بالبرنامج النووي الإيراني. وحاولت طهران جذب رؤوس أموال أجنبية مجدداً، عبر إقرار "قانون تشجيع وحماية الاستثمار الأجنبي" (FIPA). عام 2002.
وفي عام 2012، وبعد الجدل الذي أحاط بنتائج الانتخابات الرئاسية الإيرانية، بدأت الأمم المتحدة في فرض موجات من العقوبات على إيران بسبب انتهاكات حقوق الإنسان وكذلك بسبب برنامجها النووي.
لكن المشهد شهد تحولًا لافتًا مع توقيع الاتفاق النووي الإيراني عام 2015، المعروف باسم "خطة العمل الشاملة المشتركة". فبعد توقيع الاتفاق النووي (JCPOA) بين إيران ومجموعة 5+1 (الدول الخمس دائمة العضوية في مجلس الأمن الدولي، أسفر هذا الاتفاق عن أكبر تحول في حجم الاستثمارات الأجنبية خلال السنوات السابقة، حيث ارتفعت تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر بنسبة 64% في عام 2016.
وبحسب الدراسة ذاتها، استمر هذا الاتجاه الإيجابي حتى عام 2017، عندما سجلت إيران أعلى مستوى من الاستثمار الأجنبي المباشر، متجاوزة 5 مليارات دولار. وخلال تلك الفترة، دخلت شركات عالمية كبرى إلى السوق الإيرانية للاستثمار، من بينها شركات صناعة السيارات مثل بيجو، وشركات الطيران مثل بوينغ وإيرباص، وشركات استكشاف وإنتاج النفط والغاز مثل توتال. كما تبعت هذه الشركات الكبرى مؤسسات أخرى من مختلف أنحاء العالم للاستثمار في إيران، الأمر الذي ساهم في تحسين بيئة الأعمال وتعزيز النمو.
لكن مع وصول إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى السلطة في عام 2017، ثم انسحاب الولايات المتحدة من الاتفاق النووي في عام 2018، أُعيد فرض عقوبات واسعة النطاق على إيران. وأدى ذلك إلى انخفاض الاستثمار الأجنبي المباشر في إيران بنسبة 30% خلال عام 2018 مقارنة بالعام السابق، واستمر هذا التراجع السلبي حتى الوقت الحاضر.
ووفقاً لتقرير الاستثمار العالمي لعام 2020 الصادر عن منظمة "أونكتاد"، قُدّر حجم الاستثمار الأجنبي المباشر الوارد إلى إيران خلال عام 2019 بنحو 1.508 مليار دولار. وكان هذا الرقم قد بلغ 2.373 مليار دولار في عام 2018، ما يشير إلى تراجع بنسبة 36.4% خلال عام واحد فقط.
وذكر التقرير أنه تم جذب 1.54 تريليون دولار من الاستثمارات الأجنبية المباشرة على مستوى العالم في عام 2019، ولم تتجاوز حصة إيران من هذا الإجمالي 0.09% فقط.
وبعد مجيء الرئيس السابق جو بايدن إلى السلطة في الولايات المتحدة، خلفاً لولاية ترامب الأولى، عادت مرة أخرى أجواء انفتاح سياسي، أدت لزيادة الاستثمارات الأجنبية المباشرة في إيران بمقدار 838.30 مليون دولار في عام 2021. وبحسب تقرير “الاستثمار الأجنبي العالمي” فقد وصل حجم الاستثمار الأجنبي المباشر في إيران إلى 1.5 مليار دولار في عام 2022.
وفي أحدث جولات التفاوض غير المباشر بين واشنطن وطهران خلال عامي 2025 و2026، لم يبرز ملف الاستثمارات الأجنبية كبند مستقل على جدول الأعمال، إلا أن القضايا الاقتصادية المرتبطة به كانت حاضرة بقوة. فقد ركزت المباحثات على تخفيف العقوبات، والإفراج عن الأصول الإيرانية المجمدة في الخارج، وتسهيل صادرات النفط، وهي خطوات يرى مراقبون أنها تمثل الأساس الضروري لأي عودة محتملة للاستثمارات الأجنبية.
كما تناولت بعض المقترحات المتداولة إجراءات اقتصادية وتنموية يمكن أن تسهم في إعادة دمج إيران تدريجيًا في الاقتصاد العالمي، بما في ذلك آليات مالية وتسهيلات قد تشجع المستثمرين الدوليين على العودة إلى السوق الإيرانية إذا ما تم التوصل إلى تفاهمات سياسية مستدامة.
الحصار الأمريكي أداة ناجحة
ومع ذلك، فوفقا لتقديرات المحللين، فإن الحصار الذي فرضته أمريكا على الاقتصاد الإيراني مؤخراً كان هو السبب الأهم في إبداء إيران مرونة في التفاوض الأخير على الاتفاق الذي يرتقب توقيعه الجمعة وبموجبه تتوقف الحرب الدائرة منذ 28 فبراير/شباط 2026.
وفي وقت سابق، نشر المحلل في مجلة "فورين بوليسي"، ستيفن كوك، تحليلاً أكد فيه على فاعلية سياسة العقوبات الاقتصادية والحصار الاقتصادي بوصفهما خياراً ناجحاً من خيارات السياسة الأمريكية تجاه النظام الإيراني.
وقبل أيام، ذكرت صحيفة "تليغراف" أن الاقتصاد الإيراني بات على حافة الانهيار نتيجة الحصار الأمريكي المكثف والصراع العسكري الذي أدى إلى تعطيل حركة الملاحة عبر مضيق هرمز.
وتُظهر سلسلة من التطورات حجم الأزمة التي تواجهها البلاد. فقد تسبب تراجع صادرات النفط، واضطراب حركة التجارة، وارتفاع تكاليف النقل والتأمين، في زيادة الضغوط على الاقتصاد الإيراني. كما أدى إغلاق أو تعطل الملاحة في المضيق، الذي يُعد شريانًا رئيسيًا لتجارة الطاقة العالمية، إلى تفاقم المشكلات الاقتصادية والمالية داخل إيران، وسط تزايد المخاوف من اتساع نطاق التداعيات على الأسواق الإقليمية والعالمية.
ولا يقدم تصريح الرئيس الأمريكي الأخير خلال قمة السبع "G7" إلا مزيداً من الأدلة على استمرار أمريكا في هذا النهج المشدد تجاه إيران. كما يتوقع منه كذلك صعوبة عودة الاستثمارات الغربية إلى إيران في المستقبل طالما لم تحل القضايا الرئيسية محل الخلاف.