ثقافة

7 سنوات على رحيل ثروت عكاشة.. التاريخ ينصف أشهر وزير ثقافة عربي

الخميس 2019.2.28 02:22 صباحا بتوقيت أبوظبي
  • 274قراءة
  • 0 تعليق
دكتور ثروت عكاشة وزير الثقافة في مصر سابقا - صورة أرشيفية

دكتور ثروت عكاشة وزير الثقافة في مصر سابقا - صورة أرشيفية

تحل في 27 فبراير/شباط الجاري الذكرى السابعة لرحيل الدكتور ثروت عكاشة أحد أبرز وزراء الثقافة العرب، الذي يوصف دائما بـ"البناء العظيم"، وذلك إشارة لدوره البارز في الثقافة المصرية خلال ستينيات القرن الماضي التي اقترنت بطموح الدولة الناصرية في تأكيد بعدها العربي والقومي.

لم تأتِ جدارة عكاشة بهذا اللقب نتيجة شغله المقعد الوزاري وإنما نتيجة جهد مثقف موسوعي بارز أنتج العديد من الموسوعات التي تمثل بذاتها "زادا لكل مثقف عربي" معني بتجاور الفنون والآداب.

وتكتسب العودة لسيرة عكاشة الذي رحل في  27 فبراير/شباط الجاري عام 2012 عن نحو 91 عاما، دلالة مختلفة هذا العام، حيث تصدرت صورته قبل نحو شهر الملصق الدعائي للدورة الأخيرة لمعرض القاهرة الدولي للكتاب نهاية يناير/كانون الثاني الماضي بصفته الوزير الذي رعى فكرة إقامته لأول مرة في عام 1969 .


وجددت المناسبة ذاتها ذكرى عكاشة على نحو دفع العديد من المعلقين لتناول دوره البارز كأحد أفضل وزراء الثقافة الذين عرفهم العالم العربي وامتد تأثيرهم لأقطار عربية مجاورة.

واستغل الباحث محمد سيد ريان المناسبة وأصدر كتابا عن الراحل يواكب تكريمه خلال دورة معرض القاهرة للكتاب تضمن العديد من الصور والوثائق. 

كان عكاشة أحد أبرز وجوه التجربة الناصرية في مصر منذ التحاقه بتنظيم الضباط الأحرار والتعرّف إلى جمال عبدالناصر عام 1949 حين كان ضابطا صغيرا ضمن ضباط سلاح الفرسان، الذي أدى دورا فاصلا لصالح حسم تحرك الضباط ليلة 23 يوليو/تموز 1952.

توثقت صلة عكاشة بعبدالناصر عندما عمل ملحقاً عسكرياً لمصر في سويسرا وباريس خلال فترة توتر العلاقة مع الغرب إبان حرب عام 1956، وبعدها مباشرة انتقل عكاشة للعمل سفيرا لمصر في روما، ومن هناك تلقى خبر تعيينه وزيرا للثقافة خلفا للمفكر القومي الراحل فتحي رضوان الذي أسس الوزارة في حكومة عام 1958 وكانت تحمل اسم "وزارة الإرشاد القومي".


وبفضل ميوله الليبرالية التي لم ينكرها أبداً، حين وصف نفسه في مذكراته بـ"صاحب رأي انتقائي، تمليه ميوله الليبرالية"، نجح عكاشة في العمل عبر مسارين: الأول تأسيس بنية ثقافية مؤسساتية شاملة ذات طابع تعليمي وأكاديمي تربوي تسعى إلى نشر الثقافة شملت تأسيس معاهد وأكاديميات متخصصة، أما المسار الثاني، فارتبط بجعل هوية مصر الثقافية تعددية مع الانفتاح على الثقافة الغربية ومؤسساتها الدولية والإقليمية.

وخلال عهده تأسست وزارة الثقافة كمؤسسة حقيقية شكّلت مثالاً يحتذى به لبقية الدول العربية التي استلهمت التجربة المصرية بعد الاستقلال الوطني، أنشأ المجلس الأعلى للثقافة (المجلس الأعلى لرعاية الفنون والآداب وقتها)، و"الهيئة العامة للكتاب"، و"أكاديمية الفنون"، و"دار الكتب والوثائق القومية"، وفرق دار الأوبرا المختلفة، والسيرك القومي ومسرح العرائس، و"جهاز الثقافة الجماهيرية".

كما اهتم باستقدام خبراء عالميين لجمع التراث المصري، إضافة إلى الدور الذي قام به في توجيه نداء عالمي لإنقاذ آثار النوبة بعد تأسيس السد العالي وإعادة بناء معبد أبو سمبل في أسوان، وتأسيس مشروع "الألف كتاب" الذي كان معنياً بنشر الترجمات.

وساعد عكاشة على استكمال إنجازاته كونه تولّى وزارة الثقافة ثلاث مرات، الأولى من عام 1958 حتى 1962، والثانية من 1962 وحتى 1966، والثالثة من 1966 إلى 1970.

في مذكراته التي كتبها ونشرت في طبعات عدة منتصف الثمانينيات بعنوان "مذكراتي في السياسة والثقافة"، عدّد عكاشة الأدوار التي أدّاها سياسياً وثقافياً، كاشفاً الآليات التي عمل بها والأسماء التي تعاون معها لتأهيل مؤسسات الثقافة في مصر، وكان من بين هؤلاء علي الراعي، لويس عوض، يحيى حقي، أحمد أبو زيد، فؤاد زكريا، والراحل سعد كامل وكلهم من القامات الكبيرة، ما يكشف عن وعي كبير امتلكه الراحل ودفعه إلى استثمار هذه العقول .

وفي تلك المذكرات ظهر ربما لأول مرة تعبير "السياسات الثقافية" الذي شاع بعدها في أدبيات منظمات دولية أبرزها منظمة اليونسكو.

وتقول أوراقه إنه لا يمكن انبثاق أي سياسة من أفكار عشوائية أو من نزوات، ويعطي عكاشة تعريفا متقدما لها سابقا على تعريفات "اليونسكو" الذي كان عضوا في مجلسها التنفيذي ويربطها بخطة التنمية الشاملة، مشيرا إلى أنها "ليست محاولة من الدولة لصنع ثقافة حكومية وإنما لتشجيع ازدهار القيم والتطلعات الثقافية بكل أنواعها حتى تفرغ الدولة لنشاطها في الميادين الأخرى".

ويقر بأن السؤال التقليدي عن ماهية الثقافة تم تجازوه إلى أمر آخر هو السياسة الثقافية أو الإطار العام للعمل الثقافي، ومهمة الوزارة: "تسيير السبل للخلق والإبداع وليس احتكاره، مع إقامة المشروعات الكبرى التي لا يقوى الأفراد على إنجازها".


وبشأن تجارب كثيرة مهمة تم إجهاض تجربة عكاشة نتيجة تحولات في بنية النظام الناصري أدت لصراع في دوائر السلطة ساهم في الهزة التي جاءت على أثر نكسة يونيو/حزيران من عام 1967، وتم استبدال سياسة ثقافية كمية بالسياسة الكيفية التي انتهجها الرجل الذي وصفه الكاتب الراحل رجاء النقاش بـ"أنّ له صوتاً وضوءاً.. صوت نسمعه في الكونسرفتوار الذي أسّسه في القاهرة، والضوء نراه مع آثار مصر التي أنقذها من الضياع مع بناء السد العالي".

وتحفل سيرة ثروت عكاشة بإنتاج موسوعي بارز، حيث تجاوزت مؤلفاته 80 كتاباً جاءت أغلبها في مجالات تاريخ الفن، وأشهرها "العين تسمع، والأذن ترى"، كما اشتغل على ترجمة نصوص شهيرة زادت على 45 كتاباً، أبرزها نصوص جبران خليل جبران، وأعمال أوفيد، وريتشارد فاجنر، وبرنار شو وغيرهم، وكلها مؤلفات تربط بين الآداب والفنون في عصورها المختلفة، وتعد موسوعة فنية متكاملة في الفن والحياة.


وحظي عكاشة بعديد من مظاهر التقدير وحاز العديد من الجوائز المحلية والعالمية ومنها وسام الفنون والآداب الفرنسي عام 1965م، ووسام اللجيون دونير و"وسام جوقة الشرف" الفرنسي بدرجة كوماندور عام 1968 وعلى الميدالية الفضية لليونسكو تتويجاً لإنقاذ معبدي أبوسمبل وآثار النوبة، والميدالية الذهبية لليونسكو لجهوده في إنقاذ معابد فيلة وآثار النوبة عام 1970م.

وجائزة الدولة التقديرية في الفنون من المجلس الأعلى للثقافة عام 1987 وجائزة مبارك في الفنون من المجلس الأعلى للثقافة عام 2002 وهي أرفع الجوائز المصرية التي تغير اسمها لتصبح جائزة النيل بدءا من 2011 .

وبعد سنوات من رحيله لا تزال تجربته في الإدارة الثقافية جديرة بالتأمل وموضوعا للجدل بين المثقفين، ففي حين يصفه البعض بـ"وزير الثقافة الأفضل في تاريخنا" يتبنى آخرون تصورا مضادا يرى في الرجل الأب المؤسس لفكرة "الثقافة الموجهة" وبين الرأيين تصمد التجربة أكثر لأنها لم تمت.

تعليقات