أقصى يمين فرنسا وسباق الإليزيه.. فرص ومخاوف من «هزة سياسية»
قبل نحو عام من سباق الإليزيه، انطلقت في فرنسا الحملات الانتخابية مع صعود محتمل لأقصى اليمين.
وقد تكون فرنسا على أعتاب تحول سياسي تاريخي مع الانتخابات الرئاسية المقررة في عام 2027، حيث تزداد احتمالات وصول حزب «التجمع الوطني» الذي يمثل أقصى اليمين، إلى السلطة لأول مرة منذ نهاية الحرب العالمية الثانية.
وتشير استطلاعات الرأي إلى تقدم واضح للحزب، سواء ترشحت زعيمته مارين لوبان أو خليفتها جوردان بارديلا، وذلك في ظل تراجع شعبية الأحزاب التقليدية وانقسام معسكر الوسط الذي قاده الرئيس إيمانويل ماكرون خلال السنوات الماضية.
مسار طويل
ووفقا لتحليل نشرته مجلة "فورين أفيرز"، فإن صعود «التجمع الوطني» لم يحدث فجأة، بل هو نتيجة مسار طويل امتد لثلاثة عقود استفاد خلالها الحزب من مخاوف متزايدة لدى قطاعات واسعة من الفرنسيين بشأن الهجرة، والأمن، وتراجع مستويات المعيشة.
إضافة إلى الشعور بأن النخب السياسية التقليدية أخفقت في معالجة المشكلات الاقتصادية والاجتماعية.
ورغم أن لوبان خسرت أمام ماكرون في انتخابات 2017 و2022، إلا أن الظروف الحالية تختلف جذرياً؛ فالدستور يمنع الرئيس الفرنسي من الترشح مجدداً، كما أن قاعدته الانتخابية لم تعد موحدة كما كانت في السابق.
ومن المحتمل ألا تتمكن لوبان من خوض الانتخابات بسبب إدانتها في قضية اختلاس أموال من الاتحاد الأوروبي لكنها استأنفت الحكم.
وفي حال غيابها عن السباق، سيصبح جوردان بارديلا، رئيس الحزب الشاب، المرشح الأبرز الذي تشير الاستطلاعات إلى حصوله على أكثر من 30% من الأصوات في الجولة الأولى، وهي نسبة تفوق بكثير منافسيه.
ويرتبط الوضع في فرنسا بما حدث في المملكة المتحدة والولايات المتحدة عام 2016، عندما أدى التصويت لصالح خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي وفوز دونالد ترامب بانتخابات الرئاسة الأمريكية إلى هزات سياسية عميقة.
هزة سياسية؟
يرى التحليل أن فوز أقصى اليمين قد يكون حدثاً مماثلاً من حيث التأثير، ليس فقط على فرنسا بل على أوروبا بأكملها حيث تمتلك باريس ثقلاً سياسياً واقتصادياً وعسكرياً كبيراً باعتبارها من أكبر اقتصادات الغرب، كما أنها عضو دائم في مجلس الأمن، وقوة نووية، وأحد المؤسسين الرئيسيين للاتحاد الأوروبي.
ومنذ عام 1958 كان النظام السياسي الفرنسي قائماً على تداول السلطة بين اليمين المعتدل واليسار المعتدل، مع قدر من الاستقرار والاستمرارية.
لكن هذا التوازن بدأ يتآكل مع تزايد شعور الناخبين بالإحباط من فشل الحكومات المتعاقبة في تحسين الأوضاع الاقتصادية وتقليص البطالة ورفع مستوى الخدمات العامة.
ثم جاء ماكرون إلى السلطة في 2017 باعتباره بديلاً جديداً يتجاوز الانقسام التقليدي بين اليمين واليسار، إلا أن إنجازاته لم تكن كافية لإقناع كثير من الفرنسيين، وخاصة الطبقات العاملة والمتوسطة، وفق التحليل.
وفي الوقت نفسه، نجح التجمع الوطني في استثمار قضايا الهجرة والجريمة وتنامي التشدد، ورغم أن هذه المشكلات ليست بالحجم الذي يصوره أقصى اليمين إلا أنها أصبحت محوراً رئيسياً في النقاش العام.
وساهمت وسائل الإعلام المحافظة ومنصات التواصل الاجتماعي في تعزيز الشعور بالخوف والقلق لدى شرائح واسعة من المجتمع، حتى في المناطق التي لا تشهد معدلات مرتفعة من الجريمة أو الهجرة.
ومن الناحية الاقتصادية، استفاد الحزب أيضاً من تراجع مصداقية الأحزاب التقليدية، ففي السابق كانت هذه الأحزاب تنتقد التناقضات في برنامج لوبان الاقتصادي الذي يجمع بين خفض الضرائب وزيادة الإنفاق الاجتماعي.
لكن خلال رئاسة ماكرون، ارتفع الدين العام الفرنسي بشكل كبير نتيجة الإنفاق الحكومي لمواجهة آثار جائحة كورونا وأزمة التضخم الناتجة عن حرب أوكرانيا، وبلغ الدين نحو 118% من الناتج المحلي الإجمالي، وهو ما جعل من الصعب على خصوم التجمع الوطني الادعاء بأنهم أكثر كفاءة مالياً.
بالجولة الثانية؟
والآن، لم يعد السؤال الأساسي ما إذا كان مرشح التجمع الوطني سيتصدر الجولة الأولى، إنما أصبح السؤال هل سيتمكن من الفوز في الجولة الثانية؟.
ومن أبرز المرشحين المحتملين لانتخابات الرئاسة، إدوار فيليب رئيس الوزراء السابق لماكرون، وفرانسوا أولاند الرئيس الاشتراكي السابق، إضافة إلى زعيم اليسار الراديكالي جان لوك ميلانشون.
وقد تؤدي كثرة المرشحين إلى تشتت الأصوات، وهو ما يعني أن التأهل إلى الجولة الثانية قد يتم حسمه بفارق ضئيل جداً.
وفي ما يتعلق برئيس حزب التجمع الوطني، جوردان بارديلا، فقد نجح في بناء صورة سياسية حديثة وجذابة، مستفيداً من حضوره الإعلامي القوي ومهاراته في التواصل عبر التلفزيون ومنصات مثل تيك توك.
ومع ذلك فإن التساؤلات تدور حول عمره الصغير وخبرته القليلة وبالتالي قدرته على إدارة دولة بحجم فرنسا والتعامل مع قادة ذوي خبرة مثل الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أو أي رئيس أمريكي مستقبلي.
ماذا لو فاز؟
في حال فوز أقصى اليمين بالرئاسة، فإن نجاحه في تنفيذ برنامجه سيعتمد على نتائج الانتخابات التشريعية اللاحقة، لأنه إذا فشل في الحصول على أغلبية برلمانية، فستواجه فرنسا حالة من الجمود السياسي تشبه ما حدث في السنوات الأخيرة من عهد ماكرون.
أما إذا حصد الأغلبية، فسيكون أمامه تحد كبير لإدارة الاقتصاد وتنفيذ وعوده الانتخابية.
لكن المشكلة أن برنامج الحزب الاقتصادي يتضمن تناقضات واضحة، إذ يعد بخفض الضرائب وزيادة الإنفاق في الوقت نفسه، مع الاعتماد على تقديرات متفائلة للغاية بشأن الوفورات الناتجة عن الحد من الهجرة ومكافحة الاحتيال.
وقد يؤدي ذلك إلى أن تفقد الأسواق المالية الثقة في الاقتصاد الفرنسي، وأن ترتفع تكاليف الاقتراض الحكومي.
أوروبيا، سيكون التأثير الأخطر على الاتحاد الأوروبي، فالتجمع الوطني لم يعد يدعو صراحة إلى خروج فرنسا من التكتل لكنه يسعى إلى تقليص صلاحيات بروكسل وتعزيز السيادة الوطنية.
وقد يعارض الحزب زيادة المساعدات لأوكرانيا، ويسعى إلى تخفيف العقوبات على روسيا، ويعارض انضمام كييف إلى الاتحاد، وقد يدخل في صدامات مع مؤسسات التكتل بشأن الموازنة الأوروبية وسياسات الهجرة والسوق الموحدة.