الجيش الفرنسي يتجه نحو ثورة روبوتية في ساحات المعارك
تشهد الجيوش الحديثة تحوّلاً جذرياً في طبيعة الحروب، حيث لم تعد المعارك تعتمد فقط على الجنود والأسلحة التقليدية.
وبصورة متزايدة تعتمد الجيوش الحديثة على التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي والروبوتات التي باتت عناصر حاسمة في ميدان القتال.
وفي هذا السياق، أعلنت القوات البرية الفرنسية عن خطة طموحة لتوسيع استخدام الروبوتات والطائرات المسيّرة، مستفيدة من الدروس المستخلصة من الحرب في أوكرانيا، في خطوة تهدف إلى حماية الجنود وزيادة القوة القتالية في مواجهة ساحات معارك أكثر خطورة وتعقيدًا، بحسب إذاعة "إر.إف.إي" الفرنسية.
وفي 25 سبتمبر/أيلول، عرضت القوات البرية الفرنسية أهدافها للأشهر والسنوات المقبلة. وبالنظر إلى المعارك الدائرة في أوكرانيا، تستعد هذه القوات لمواجهة ساحة معركة أكثر تنافسية واتساعًا وشفافية، حيث ستصبح الروبوتات والطائرات المسيّرة حاضرة في كل مكان.
ويستند رئيس أركان الجيش الفرنسي، الجنرال بيير شيل، إلى الأرقام لتوضيح حجم التحديات: فعلى الجبهة الأوكرانية يتم إخراج نحو 1500 جندي روسي يوميًا من القتال.
لا يمكن تحمل ذلك
وأكد رئيس الأركان أنذاك، أن معدل الاستنزاف الهائل هذا لن يكون قابلًا للتحمل بالنسبة للجيش الفرنسي. ولهذا السبب، يرى الجنرال برونو باراتز، المسؤول عن قيادة القتال المستقبلي، أن الآلات ستتحمل قريبًا أصعب الضربات في ساحات المعارك.
وشرح باراتز قائلاً إن ساحة المعركة في المستقبل تبدو شبيهة إلى حد كبير بساحة المعركة الحالية، ولكن مع قدر أكبر من الروبوتات والطائرات المسيّرة.
كما أن زيادة الشفافية في ميدان القتال، الناتجة عن انتشار أجهزة الاستشعار الفضائية والصوتية والبرية، إلى جانب تحليل هذه البيانات بواسطة الذكاء الاصطناعي، تجعل ساحة المعركة أكثر وضوحًا.
ووفقاً للإذاعة الفرنسية فإن هذا الواقع الجديد يجعل وجود الجنود أكثر خطورة، وهو ما يمكن تعويضه اليوم عبر استخدام المزيد من الروبوتات التي توفر الكتلة القتالية وتحمي الجنود بدرجة أكبر.
تعزيز قدرات القوات
وطور الجيش الفرنسي بسرعة قدرات جديدة لتعزيز قوة وحداته. ومن بين هذه القدرات مدفع مضاد للطائرات بدون طيار "درون" يسمى "بورتيز" (الحامل)، بالإضافة إلى نظام "ميباك"، وهو هاون عيار 120 ملم مثبت على مركبة مدرعة من طراز "جريفون" بدلًا من كونه مقطورًا، ما يزيد بشكل كبير من قوة نيران وحدات المشاة.
وأوضح الجنرال بيير شيل أن الجيش طلب 54 وحدة من هاونات "ميباك"، وقد بدأت أولى الوحدات بالوصول بالفعل. وتم نشرها داخل الفوج الثالث لمدفعية البحرية في كانجوير. ويهدف الجيش إلى أن يكون قادرًا في بداية عام 2026 على نشر أول وحدة عملياتية مزودة بهذه الهاونات في المهام العسكرية.
أما بالنسبة لمدفع "بورتيز" عيار 20 ملم، فقد تم تزويده بطبقة من الذكاء الاصطناعي تسمح له بمكافحة الطائرات المسيّرة بفعالية.
وقد تم نشر أولى هذه المدافع بالفعل داخل الجيش الفرنسي، خصوصًا في الفوج الخامس والثلاثين للمدفعية المظلية في مدينة تارب. ومن المتوقع أن يصل عدد هذه المدافع إلى نحو خمسين مدفعًا خلال العام المقبل، وهي جاهزة للنشر في العمليات العسكرية عند الحاجة.
الروبوتات البرية وأسراب المسيرات
وبدأت الروبوتات البرية أيضًا بالظهور داخل القوات الفرنسية. فهناك وحدة أولية تحمل اسم Pandragon تتكوّن من 20 روبوتًا مخصصة في البداية للمهام اللوجستية، ومن المتوقع أن تصبح جاهزة للعمل بحلول صيف عام 2026.
كما سيجري إنشاء سرب خاص بالطائرات المسيّرة، بينما يجري حاليًا وضع العقيدة العسكرية الخاصة باستخدامها. وستُكمّل الطائرات المسيّرة الهجومية دور المدفعية التقليدية، وتمنح القوات البرية القدرة على ضرب الأهداف من مسافات أبعد.
ويؤكد الجنرال برونو باراتز أن الهدف هو منع العدو من تركيز قواته بالقرب من خط الجبهة، وذلك من خلال القدرة على ضربه من مسافات بعيدة. ويضيف أن الاتجاه العام يتمثل في تطوير قدرات الضرب في العمق، حتى بالنسبة لوحدات المشاة التي ستتمكن من إطلاق نيرانها خارج نطاق الرؤية المباشرة.
كما ظهرت أيضًا ما يُعرف بالذخائر المُسيّرة عن بُعد، وهي طائرات مسيّرة قادرة على حمل شحنات متفجرة إلى مسافات مختلفة، ما يجعلها مكملة لعمل المدفعية التقليدية.
جيل جديد من الجنود التقنيين
ويشدد رئيس أركان الجيش الفرنسي على أن المرحلة المقبلة تتطلب جنودًا أكثر صلابة وقدرة على الابتكار. ولهذا، يسعى الجيش إلى تجنيد عناصر تمتلك مهارات تقنية في مجالات الحرب الإلكترونية وتشغيل الطائرات المسيّرة وأنظمة الاتصالات.
ويقول الجنرال بيير شيل إن تطور الجيش تقنيًا أصبح حقيقة واقعة، مضيفًا:
"لدينا 77 ألف جندي في القوة البرية العملياتية، وهذا يعني أننا نحتاج فعليًا إلى 77 ألف مشغّل للطائرات المسيّرة، كلٌّ في مجاله".
وتعيش القوات البرية الفرنسية اليوم تحولًا كبيرًا يشبه الثورة العسكرية، حيث أصبحت الطائرات المسيّرة والروبوتات عنصرًا أساسيًا في العمليات القتالية. ومع هذا التحول، يتجه الجيش الفرنسي تدريجيًا ليصبح جيشًا من المقاتلين التقنيين، يجمع بين المهارة العسكرية التقليدية والقدرات التكنولوجية المتقدمة لمواجهة حروب المستقبل.