من البنادق إلى المسيرات.. رحلة جيش أمريكا في 250 عاما
حالة من الذهول ستصيب المجندين الأمريكيين عام 1776 في حال رأوا ما أضحى عليه جيش بلادهم اليوم.
ففي عام 1776، كان المجندون الأمريكيون يرتدون زيًا غير موحد مستوحى من زي القوات البريطانية التي كانوا يقاتلونها.
وكانوا يحملون بنادق بريطانية الصنع تطلق عددًا قليلًا من الرصاصات في الدقيقة، وكانت أنظمة المدفعية مزيجًا من المدافع البريطانية والفرنسية بمدى لا يتجاوز بضع مئات من الأمتار.
كما كانت البحرية الأمريكية في طور التأسيس، ولم يكن سلاح الجو قد تأسس بعد، ولم تكن القوات السيبرانية والفضائية المتخصصة مطروحة على الإطلاق، ولم تظهر الأسلحة النووية إلا بعد ما يقرب من 170 عامًا.
ومع حلول الذكرى الـ250 لتأسيس الولايات المتحدة، تستعرض مجلة "نيوزويك" الأمريكية أبرز التطورات العسكرية التي حولت مليشيات غير منظمة إلى القوة العسكرية المهيمنة في العالم.
الحرب الثورية
كان أول الجنود الأمريكيين من المجتمعات المحلية، وبحلول عام 1775، كان من الواضح لقادة الثورة أن جيشًا مدربًا ومحترفًا هو ما يلزم لكسب الحرب وتحقيق الاستقلال، كما قال العقيد المتقاعد تشارلز باوري.
وأضاف أن جورج واشنطن، قائد الجيش القاري -آنذاك-، قرر تصميم القوات الأمريكية الأولى على غرار الجيوش الأوروبية واستمد التكتيكات وأنظمة التدريب من النماذج أوروبية.
ومع اقتراب نهاية الكفاح من أجل الاستقلال، تحسن الانضباط في صفوف الجيش القاري، رغم اعتماده الكبير على الدعم الأجنبي، مثل الدعم الفرنسي.
وفي 1775، تأسست البحرية القارية وتبعتها بعد أقل من شهر قوات مشاة البحرية الأمريكية.
وبحلول العام التالي، امتلكت قوات المستعمرات 27 سفينة حربية، أي عُشر ما كان لدى البحرية البريطانية وبعدها تم تحويل العديد من السفن التجارية وتجهيزها بالأسلحة، وبحلول نهاية الحرب، استولى المقاتلون الأمريكيون على حوالي 1500 سفينة بريطانية.
الحرب الأهلية
في أعقاب حرب الاستقلال الأمريكية، تم تقليص حجم الجيش الذي بُني لمحاربة البريطانيين إذ كان الأمريكيون حذرين من الجيوش النظامية وعلاقاتها بالملكيات.
وفي 1802، تم افتتاح الأكاديمية العسكرية الأمريكية المعروفة باسم "ويست بوينت"، ومع توفر الجيش كخيار مهني مناسب، ازداد عدد المجندين بشكل ملحوظ، ثم ومع ازدهار الصناعة، أصبحت الأسلحة التي يستخدمها الجنود أكثر دقة وقادرة على إصابة أهداف بعيدة المدى.
وأوضحت حرب 1812 مع بريطانيا العظمى، والمعارك اللاحقة مع المكسيك، حاجة الولايات المتحدة إلى جيش محترف قادر على العمل بالتنسيق مع القوات الأخرى، كالبحرية.
لكن الحرب الأهلية الأمريكية، التي اندلعت بعد عقود، شكلت صدمة كبيرة، بحسب المحلل الاستراتيجي فريدريك ميرتنز، فلم يكن لدى كل من الاتحاد والكونفدرالية قوة الجيوش الأوروبية آنذاك، وأجبرتهم الحرب الأهلية على إعادة تنظيم صفوفهم.
وقال: "لكن الأهم من ذلك كله، أن هذه كانت أول حرب يمكننا أن نطلق عليها بحق اسم الحرب الصناعية". وأضاف: "كان العنصر الحاسم في هذه الحرب هو التفوق الاقتصادي والصناعي للاتحاد، مما قد يجعلها المرة الأولى التي يتم فيها حسم حرب بـ"الأسلوب الأمريكي".
الحرب العالمية الأولى
برز التحول الصناعي خلال الحرب العالمية الأولى، فتحول الجيش الأمريكي إلى قوة عالمية عظمى، بينما كانت أوروبا تُدمّرها الحرب بين عامي 1914 و1918.
وعززت المدافع، والمدفعية المتطورة، والإمدادات اللوجستية، بالإضافة إلى الاتصالات اللاسلكية، القوات المسلحة الأمريكية.
وخلال هذه الحرب، استخدمت الولايات المتحدة الدبابات لأول مرة، مع اتجاه العالم نحو الحرب الآلية، وهو مصطلح عسكري يعني استخدام المركبات المدرعة وغيرها من الآلات في المعارك.
كما شهدت الحرب أولى بوادر الدور المحوري للقوة الجوية الأمريكية، وكانت طائرة "دي إتش-4"، وهي طائرة ثنائية السطح ذات مقعدين من أوائل الطائرات الأمريكية الصنع، الطائرة الأمريكية الوحيدة التي شاركت في القتال الفعلي خلال الحرب.
الحرب العالمية الثانية
قال ميرتنز "أظهرت لنا الحرب العالمية الثانية مدى قوة أمريكا التي قررت استعراض قوتها العسكرية فامتلكت الشعب والصناعة والتنظيم اللازم لتصبح القوة العظمى في العالم".
لكن بحلول عام 1945، أمضى العلماء سنوات في المختبرات الأمريكية لتطوير القنبلة الذرية التي لم تغير الجيش الأمريكي فحسب، بل غيرت القوات المسلحة والسياسة العسكرية في جميع أنحاء العالم.
وكان الدمار الذي حل بهيروشيما وناغازاكي عام 1945، والذي أجبر اليابان على الاستسلام، بداية فصل جديد غير مسبوق، وأعاد تشكيل القوة العسكرية الأمريكية.
وبعد انتهاء الحرب بفترة وجيزة، تأسس سلاح الجو الأمريكي رسميًا، فقبل عام 1947، كان جزءًا من الجيش الأمريكي، ولكن بمجرد أن أصبح فرعًا مستقلًا، مهد ذلك الطريق أمام القوة الجوية للهيمنة على كيفية خوض الولايات المتحدة لحروبها اللاحقة.
الحرب الكورية وحرب فيتنام
تعتبر الحرب الكورية أول حرب تلعب فيها الطائرات دورا بالغ الأهمية، ومع ذلك، تميزت حرب فيتنام بحرب العصابات التي لم يكن الجيش الأمريكي مستعدًا لها في البداية، رغم تفوقه الجوي.
وقال باوري: "كانت فيتنام نقطة تحول حاسمة للجيش الأمريكي، ليس بسبب ضرورة محاربة تمرد شعبي في الجنوب، بل بسبب القرار السياسي والاستراتيجي بخوض الحرب بقوة من المجندين، بدلًا من تعبئة قوات الاحتياط والحرس الوطني".
وأضاف: "أدى هذا الأسلوب إلى تحول الرأي العام الأمريكي ضد المجهود الحربي. وسرعان ما طورت وحدات الجيش في فيتنام تكتيكات وأسلحة لمحاربة قوات العصابات في تضاريس الأدغال، وكانت المروحية السلاح الأبرز لانتشارها الواسع واستخدامها في كل عملية أو مهمة تقريبًا."
عاصفة الصحراء
تغيرت الأوضاع بشكل كبير بحلول حرب الخليج الأولى، التي اندلعت بعد غزو العراق بقيادة صدام حسين للكويت.
وكانت المروحيات الأمريكية أول من تحرك، حيث انقضت لاستهداف أنظمة الدفاع الجوي العراقية ومواقع الرادار التي يمكن استخدامها لتحديد مواقع القوات الأمريكية وقوات التحالف وتدميرها.
وقصفت الطائرات مواقع عراقية بصواريخ كروز لمدة ستة أسابيع قبل أن تبدأ القوات البرية عملياتها قصيرة الأمد.
وألقت الولايات المتحدة وعشرات من حلفائها أكثر من 88 ألف طن من القنابل في الحرب التي شارك فيها ما يقارب 700 ألف جندي أمريكي، وهي المرحلة النشطة من الحرب المعروفة باسم عملية "عاصفة الصحراء" التي قُتل فيها 143 جنديًا أمريكيًا.
وشهدت العملية الظهور القتالي الأول لنظام صواريخ باتريوت للدفاع الجوي، كما كانت أول حرب تستخدم فيها القوات الأمريكية صواريخ توماهوك كروز بعيدة المدى على نطاق واسع.
وقال ميرتنز إن الولايات المتحدة أعطت العالم آنذاك انطباعًا بأن جيشها قادر على فعل ما يشاء.
حرب إيران
في 2026، شنت الولايات المتحدة هجمات جوية مدمرة على إيران التي استخدمت عددا كبيرا من المسيرات الرخيصة، ما أجبر واشنطن على استهلاك صواريخ دفاع جوي باهظة الثمن لإسقاطها، وهو ما دفع العديد من جيوش العالم لإعادة النظر في تكتيكاتها.
نظرة مستقبلية
رغم أن المسيرات تشكل جزءًا كبيرًا من الجيش الأمريكي، إلا أن أهميتها ستزداد حتمًا وسيتم دمجها في آلية عمل الجيل القادم من المقاتلات.
وتعمل عدة دول، بينها الولايات المتحدة، على تطوير مقاتلات من الجيل السادس، ستكون أكثر صعوبة في الرصد، وأكثر آلية، ومجهزة بأنظمة إلكترونية وأسلحة أكثر تطوراً من الطائرات العاملة حالياً، مثل إف-35 وإف-22.
وتعمل شركات الدفاع الأمريكية حالياً على تطوير مسيرات تعرف أحياناً باسم "الجناح المخلص"، والتي ستحلق إلى جانب طائرات الجيل السادس.
ومن المرجح -أيضاً- أن يبرز مجال الأمن السيبراني حيث أنشأ وزير الدفاع السابق روبرت غيتس في 2009 القيادة السيبرانية الأمريكية.
كما تتم مناقشة مجموعة من البرامج مثل فئة جديدة من البوارج الحربية ومنظومة الدفاع الصاروخي "القبة الذهبية".