سياسة

شراكة وأحلام مستقبلية بين الرياض ولندن

الأربعاء 2018.3.7 09:41 صباحا بتوقيت أبوظبي
  • 578قراءة
  • 0 تعليق
إميل أمين

أفضل تعبير يمكن أن يوصّف حال العلاقات الدبلوماسية ومآلها من الرياض إلى لندن، القول: إنها تقوم على أسس ودية ومتساوية، منذ أن شرب رئيس الوزراء البريطاني الأشهر ونستون تشرشل كأس ماء بارد من ماء مكة المكرمة، في ضيافة الملك المؤسس عبد العزيز آل سعود، إلى أوان زيارة ولي العهد الأمير محمد بن سلمان إلى العاصمة البريطانية لندن.

عبر عقود طوال، ظلت بريطانيا اللاعب الأول والمتقدم في الجزيرة العربية والشرق الأوسط، قبل أن تطفو الولايات المتحدة الأميركية على سطح الأحداث، ولهذا تبقى بريطانيا برجالاتها ومرجعياتها الأقرب تاريخياً وجغرافياً؛ بل وديموغرافياً، لفهم أبعاد المنطقة العربية وإشكالياتها، سيما في ظل تعقيدات المشهد الدولي هنا، وواقع بريطانيا الجديد بعد خروجها من الاتحاد الأوروبي هناك.

زيارة الأمير محمد إلى لندن - كما أشارت إليها مصادر دبلوماسية وإعلامية غربية وعربية – تاريخية، من حيث التوقيت والأهداف، والرؤى والتطلعات، والآمال والأحلام، التي يحملها الأمير محمد على كاهله، من أجل غد إيجابي وخلاق للمملكة العربية السعودية بادئ ذي بدء، ولأرجاء الشرق الأوسط الملتهب تالياً، وعليه فالجميع في بريطانيا بات يدرك الثقل الاستراتيجي للمملكة، في ثوبها المحدّث والطموح، ذاك الذي يسعى جاهداً لبناء مستقبل واعد بالانتقال إلى آفاق رحبة من ملاقاة العالم، والتفاعل معه بقوة وندية، دون خجل أو وجل، لأن هذه الطموحات تتطلب جرأة لا حدود لها.

يمضي الأمير محمد إلى لندن وقدماه ثابتتان في مملكته، ويداه قابضتان وممسكتان بمقود التغيير، مزخوماً ومدعوماً من 74 في المائة من جيل الألفية السعودي، المتفائلين بشأن الغد الذي يبلوره الأميرـ عبر رؤيته لبلاده (2030)، وعهدة الأرقام هنا على الراوي، مركز «إبسوس» للدراسات والأبحاث.

 جيد للدبلوماسية السعودية أن تسعى في هذا التوقيت الذي يصفه البعض بأنه «عصر الفوضى» عالمياً، إلى إعادة ترتيب الأوراق، وتقييم المصالح مع كافة المراكز الدولية المتقدمة، ذلك أنه وإن كانت العلاقات السعودية الروسية، والسعودية الأميركية، جيدة ونشطة، فإن بريطانيا تظل عموداً من أهم أعمدة «القارة العجوز»

والشاهد أن العالم برمته يرى مرحلة «التخمر الثقافي» التي تعايشها المملكة في ظل خطوات ولي العهد، والتعبير هنا للكتاب الأميركي الكبير «ديفيد إغناتيوس» عبر صحيفة «ذا واشنطن بوست»، والمصطلح يحمل في طياته معاني ودلالات يفهمها الغرب فهماً تقدمياً؛ سواء في لندن وفي واشنطن بعد أيام قليلة، وأول وأهم المفاهيم أن إرادة التغيير حقيقية وصائبة، وتمضي في اتجاه الشمس المشرقة، وتباعد بينها وبين شمس غروب الإمبراطوريات وأفولها.

يظهر الأمير محمد اليوم في المملكة، ليمثل مع أشقاء له في الإمارات العربية المتحدة الشيخ محمد بن زايد، وفي مصر الرئيس عبد الفتاح السيسي، مثلث قوى الاعتدال والحكمة، في مواجهة أطماع مشروعات غير عربية تمثلها دول معروفة على رأسها إيران، وتريد رسم الشرق الأوسط بحسب منظورها، وترتيب أوراقه حسبما يتسق ومصالحها، وعليه فإن للبريطانيين خاصة وللأوروبيين عموماً مصلحة كبرى في نجاح هذا المثلث الدولي، والذي من دونه يمكن للفوضى الضاربة في هذا الإقليم المعلق بين الماضي وخبراته الأليمة، والمستقبل وأمانيه البعيدة، أن يكون وبالاً على القارة الأوروبية، ويكفيها في تقدير القائمين على شؤونها وشجونها ما حل بها من جراء سنوات الربيع العربي المكذوب.

دون تهوين أو تهويل يمكن القطع بأن الأوروبيين ينظرون في الوقت الراهن إلى الأمير محمد نظرة إعجاب وتقدير، فالرجل يسعى لعودة الإسلام المعتدل الذي خطفه المتطرفون والإرهابيون القتلة، للمنطقة بأكملها، وذلك بمحاربته التطرف والتشدد ومواجهة الإرهاب المرض العضال الذي بات يفت في الجسم البشري في حاضر أيامنا، ولهذا تحدث بالصواب بوريس جونسون وزير الخارجية البريطاني، حين أشار إلى أن بن سلمان مصلح يستحق الدعم.

ربما لا يعود التاريخ إلى الوراء، ولن تضحى بريطانيا مرة أخرى سيدة الشرق الأوسط، كما كانت في النصف الأول من القرن العشرين؛ لكن ذلك لا يلغي إمكانية أن يكون لها دور فاعل ومؤثر، حتى وإن كان من باب البراغماتية المستنيرة.

أكثر ما يهم أي دولة في العالم بدايةً: أمن مواطنيها وسلامتهم، وقطع الطريق على «طاعون العصر»، أي الإرهاب، وفي هذا السياق، وباعتراف البريطانيين أنفسهم، فقد لعبت الاستخبارات السعودية عاملاً مهماً في مكافحة الإرهاب؛ بل إن حياة بريطانيين كُثر قد أُنقذت، بسبب التعاون الأمني بين لندن وجهات الأمن السعودية، الأمر الذي انعكس بواقع طيب على سلامة الأمن العالمي برمته.

جيد للدبلوماسية السعودية أن تسعى في هذا التوقيت الذي يصفه البعض بأنه «عصر الفوضى» عالمياً، إلى إعادة ترتيب الأوراق، وتقييم المصالح مع كافة المراكز الدولية المتقدمة، ذلك أنه وإن كانت العلاقات السعودية الروسية، والسعودية الأميركية، جيدة ونشطة، فإن بريطانيا تظل عموداً من أهم أعمدة «القارة العجوز»، ولا يزال لها دولياً حضور فاعل، سياسي واقتصادي وعسكري، ناهيك عن نفوذ موروث منذ زمن بعيد، وقدرة استراتيجية على التعاطي مع بقية تخوم أوروبا والعالم، الأمر الذي لا بد له من أن ينعكس برداً وسلاماً على حياة المواطنين السعوديين، وبقية عرب المنطقة.

ولعل الناظر للمواقف السياسية البريطانية، يدرك أنها تتسق وتعبير رئيسة وزراء بريطانيا تيريزا ماي في قمة المنامة 2016: «أمنكم هو أمننا»، فالموقف البريطاني رافض لما تقوم به إيران من دور «صانع المشكلات» في اليمن خاصة، وكثيراً ما طالبت لندن بوقف ما يتعرض له الشعب السوري، عطفاً على المخاوف من انتشار وتمدد «داعش».

أما عن الشراكات الاقتصادية، فبريطانيا لا تزال تنظر للمنطقة على أنها خلفية مالية وبشرية تعوضها كثيراً مما ستفقده أوروبياً.

باختصار: من الرياض إلى لندن «شراكة واقع حال وأحلام مستقبلية» من أجل حياة أفضل، دعماً لمسيرة تنويرية يقودها محمد بن سلمان.

نقلا عن "الشرق الأوسط"

الآراء والمعلومات الواردة في مقالات الرأي تعبر عن وجهة نظر الكاتب ولا تعكس توجّه الصحيفة
تعليقات