هل الجينات هي المتهم الوحيد؟ اكتشاف يغير فهمنا للأمراض الوراثية
لطالما اعتقد العلماء أن بعض الأمراض الوراثية، المعروفة باسم الأمراض أحادية الجين، تحدث بسبب طفرة جينية واحدة يمكن التنبؤ بها بدقة.
على مدار عقود، ركز الباحثون على دراسة المرضى وعائلاتهم بحثًا عن هذه الطفرات، واعتقدوا أن اكتشافها يفسّر ظهور المرض بشكل مؤكد لدى من يحملها.

لكن أبحاثًا حديثة تغير هذه الصورة بالكامل. فقد أظهرت الدراسات السكانية أن كثيرا من الأشخاص الأصحاء يحملون هذه الطفرات نفسها دون أن يصابوا بأي مرض.
وقالت كارولين رايت، أستاذة الطب الوراثي في جامعة إكستر، إن هذا الاكتشاف "يتحدى الاعتقاد السائد بأن وجود طفرة واحدة يكفي لتسبب المرض".
الوراثة أكثر تعقيدا مما كنا نظن
القواعد الأساسية للوراثة وُضعت منذ القرن التاسع عشر على يد جريجور مندل، الذي أوضح كيفية انتقال الجينات من الآباء إلى الأبناء. بعض الجينات تكون سائدة وتظهر آثارها بمجرد نسخة واحدة، والبعض الآخر متنحية ويحتاج نسختين. لكن الدراسات الحديثة توضح أن الوراثة ليست بهذه البساطة: الجينات تتفاعل مع بعضها ومع البيئة لتحدد ما إذا كان الشخص سيصاب بالمرض أم لا، وهو ما يُعرف بـ" درجة الاختراق".
على سبيل المثال، بعض الطفرات المرتبطة بسرطان الغدة الدرقية أو هشاشة العظام كانت تُعتقد مسبقًا أنها تصيب من يحملها بنسبة 100%، لكن الدراسات السكانية الجديدة أظهرت أن احتمال الإصابة قد يكون بين 2% و40% فقط. وبالمثل، أظهرت أبحاث على مرض هنتنغتون أن التكرارات الجينية لا تؤدي بالضرورة للإصابة إلا إذا تجاوزت حدا معينا، وأن عوامل جينية أخرى قد تزيد أو تقلل هذا الخطر.
دور البيانات السكانية في فهم المخاطر
والسر وراء هذه الاكتشافات يكمن في قاعدة البيانات الضخمة للسكان الأصحاء، مثل مشاريع All of Us في الولايات المتحدة والبنك الحيوي المملكة المتحدة، التي جمعت الجينات والسجلات الطبية لمئات الآلاف من الأشخاص، فهذه البيانات سمحت للعلماء بمقارنة الطفرات بين المرضى والأشخاص الأصحاء، وكشفت أن الجينات المرتبطة بالمرض غالبًا ليست كافية بمفردها لإحداث المرض، بل تتفاعل مع بقية الجينات والبيئة لتحدد النتيجة النهائية.

تأثير الاكتشافات على العلاج والاستشارة الوراثية
هذه النتائج تغير طريقة تقديم الاستشارات الوراثية للمرضى وعائلاتهم، وتفتح أبوابًا لتطوير علاجات أكثر دقة. فالآن يمكن توقع من سيستفيد أكثر من العلاجات الجينية، وفهم العوامل المساعدة قد يتيح تصميم استراتيجيات وقائية أفضل. كما أن فهم مدى خطورة الطفرات الفردية يساعد المرضى في اتخاذ قرارات هامة، مثل اختيار الأجنة في التلقيح الصناعي أو التدخل المبكر في الأمراض التنكسية.
وتقول مايكل هايدن، أستاذ الوراثة الطبية: “مع توفر علاجات جديدة، يصبح فهم المخاطر الفردية أمرًا بالغ الأهمية. فالعلاج المبكر، خصوصًا لأمراض الدماغ والعين، أفضل من العلاج المتأخر".
وتضيف: " يبدو أن علم الوراثة لم يعد عن جين واحد يصنع المرض، بل شبكة معقدة من الجينات والتفاعلات البيئية التي تحدد من سيصاب ومن سيبقى سليمًا، ما يفتح فصلا جديدا في فهمنا للأمراض الوراثية وعلاجها".