سياسة

التقرب إلى الله بقتل الإنسان!

الأربعاء 2017.12.6 12:32 مساء بتوقيت أبوظبي
  • 761قراءة
  • 0 تعليق
نصر محمد عارف

إذا أردت - أيها القارئ الكريم - أن تعرف كيف يصل فكر التطرف الديني إلى أقصى مراحل الإرهاب، والعنف الدموي المريض الذي يعكس حالة من تشوه النفس الإنسانية، وانحرافها الحيواني إلى مرحلة التوحش التي تقتل للتلذذ بالقتل، فانظر إلى خطاب الحوثي الصبي الغرّ، لعبة مسرح عرائس "بيت الرهبة" في قم، حيث تقبع أفظع عصابة تعمل ليل نهار لتشويه الإسلام، وتشويه سمعة آل البيت الأطهار الذين ما دعوا لعنف ولا لقتل، واختاروا أن يُقتَلوا شهداء، بدلاً من أن يكونوا من القاتلين.

انظر أيها القارئ الكريم في خطاب الصبي الحوثي العميل الذي خرج بعد قتل شريكه في الإجرام، حين قرر أن يتوب، ويغسل يده من الدماء، إلا أن الصبي الخائن لوطنه ومذهبه وطائفته، والذي تحول إلى ممثل كاريكاتوري يقلّد ساكن الضاحية الجنوبية في بيروت؛ الذي يتفاخر ليل نهار بالعمالة للنظام الفارسي، والخيانة لوطنه، وعروبته وجيرانه، ويتحول إلى زعيم عصابة دولية تضرب من العراق إلى اليمن.خطاب الطفل الحوثي الجاهل المريض متفاخراً وسعيداً بالقتل غيلة وغدراً، وبأسلوب تأنف منه أخلاق الجاهلية، وتأباه عادات الثأر الموجودة في مجتمعاتنا، التي تترفع عن قتل الأسير أو من استسلم ولم يواجه، بينما عميل النظام الفارسي المتدثر زوراً بعباءة آل البيت الأطهار عليهم السلام للثأر من العرب تحت شعارات ثأر "الحسين" عليه السلام الذي لم يثأر لأبيه الإمام علي باب مدينة العلم وإمام المسلمين.

نموذج الحوثي الصغير الذي يتفاخر بالقتل غدراً وغيلة لشريكه في الجريمة الذي أراد أن يتوب عن سفك الدماء، يعتبر القتل تقرباً إلى الله، ويصف يوم مقتل شريكه ومن له معه ميثاق باليوم الاستثنائي، ويدعو أتباعه من صغار المجرمين إلى الاحتفال بالجريمة قبل أن يجف دم المقتول غدراً،هذا هو النموذج المنمق الذي قلّد مثَلَه الأعلى نصر الله الذي خدع العرب والمسلمين بعمامة آل البيت، وهو الذي سنّ سنة سيئة في خلق أحزاب وتنظيمات مسلحة ترفع شعار قتال إسرائيل والأمريكان لقتل المسلمين.

هذا النموذج العابر للمذاهب والطوائف والمدارس الاعتقادية هو ذاته في داعش، والقاعدة وبوكو حرام والسلفية الجهادية، والجماعات المنبثقة من تنظيم الإخوان الفاشل، والحشد الشعبي الذي يصرّ قاسم سليماني ونظام ولاية الفقيه على تسميته بالحشد الشعبي المقدس، يستمد قداسته من كونه يقتل لأهداف طائفية، وتحت رايات طائفية، ولكن في مناسبات وطنية وبمظلة وطنية وفّرتها المرجعية الفارسية، هؤلاء جميعاً يتقرّبون إلى الله سبحانه بمخالفته ومعصيته، وارتكاب أعظم الكبائر بعد الشرك، يتقربون إلى الله بالدماء، وبإزهاق الأنفس التي حرّمها الله تحريما قاطعاً، وجعلها من الذنوب التي لا تغفرها توبة ولا صوم ولا صلاة.

هذا الفكر المتطرف العنيف، بل الإرهابي المتوحش لا علاقة له بالدين ومصادره، قرآن وسنة، بل هو نتاج أفكار بشر ظهروا في عصور الانحطاط، وكتبوا عن واقعهم المتردي بفكرهم الذي هو نتاج لواقعهم، وسموا ذلك فقهاً إسلامياً أو فتاوى أو أي شيء.

كل هذه الجماعات التي ينظمها خطاب التطرف الديني العنيف، وتتشارك في سلوكيات القتل وترويع الآمنين وتدمير المجتمعات وإفقادها الأمن والأمان والسلام والاستقرار، كل هذه الجماعات بغض النظر عن مذهبها الفقهي، وفرقتها العقائدية، وطائفتها؛ جميعها تتشارك في أصول فكرية واحدة من أهمها - بالإضافة إلى ما سبق طرحه في المقالات السابقة- نزع القداسة عن النفس البشرية، وعدم الاعتراف بتحريمها، ومخالفة القرآن الكريم من خلال تأويل بعض النصوص، وتحويل التحريم القطعي لقتل النفس إلى تحريم مخصص بنوعية معينة من الأنفس، يقررونها هم، ويختارونها هم، وغالباً ما تكون أنفس جماعتهم أو فرقتهم ومذهبهم.

فعلى الرغم من أن القرآن الكريم كان قاطعاً في تحريم قتل النفس البشرية بآيات قاطعات لم يرد فيهن نسخ أو تأويل، فقال سبحانه: ﴿... مَن قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعاً وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعاً.. ﴾ "المائدة: 32"، فوضع القرآن الكريم حرمة النفس فوق كل اعتبار، وجعل القتل للقصاص ممن قتل فقط، بدون أي مبرر آخر، وروي عن النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم أنه قال: "من قتل مؤمناً فاغتبط بقتله (يعني سره ذلك وفرح به) لن يقبل الله منه صرفاً ولا عدلاً".

وقد صحَّ عن النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم أنه قال: "يجيء الرجل آخذاً بيد الرجل يوم القيامة فيقول: يارب هذا قتلني فيقول له: لما قتلته؟ فيقول: لتكون العزة لك فيقول سبحانه: فإنها لي، ويجيء الرجل آخذاً بيد الرجل فيقول: يارب، إنَّ هذا قتلني فيقول الله سبحانه وتعالى: لما قتلته؟ فيقول: لتكون العزة لفلان فيقول الله تعالى: إنها ليس لفلان فيبوء بإثمه".، فلا يجوز القتل مبرراً بادعاء لتكون العزة لله، وتكون كلمة الله هي العليا كما يرفع أولئك المجرمون من شعارات، لأن الحديث الشريف يخبرنا أن الله سبحانه سيقول لمن يدعي هذا: إن العزة لله ولم ولن ينازعه سبحانه فيها أحد.

إذا كانت هذه القدسية للنفس البشرية قد رسّخها القرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة، فما الذي جعل المسلمين يتغافلون عن هذا التحريم القطعي، وينتهكون قدسية النفس، ويتساهلون في القتل؟ هذا السؤال يمثل تحدياً كبيراً لكل المؤسسات والمرجعيات التي تسعى إصلاح الخطاب الديني، وتخليص المسلمين والبشرية جميعها من هذا السرطان البشري الذي انتشر، وصارت معه النفس البشرية رخيصة بصورة تفوق في رخصها وسهولة قتلها الحيوانات.

ماهي المصادر الفكرية التي أوجدت داعش والحشد الشعبي والحوثي، والقاعدة والذئاب المنفردة والحرس الثوري، وكل هذه الهيئات التي تدعي انتساباً للإسلام، وتسترخص النفس البشرية وتتعامل معها باعتبارها وسيلة رخيصة لتحقيق أهداف سياسية ومصالح حزبية وطائفية؟.

ما الذي جعل المسلم يدهس بشراً آمنين في شوارع مدن ودول استضافته، ومنحته الأمان على الأقل؟، هل يستطيع نفس الشخص أن يدهس قطيعاً من الحيوانات؟ أظن أنه سوف يتردد لأنه يراها بريئة؟.

أي ثقافة دينية تقود الإنسان إلى أن يتعامل مع حياة إنسان آخر على أنها وسيلة رخيصة لتحقيق أغراضه السياسية الساذجة؟، كأن يغيظ النظام المصري، أو يخيف رجال الجيش والشرطة حتى ينفضّوا من حول نظام يرفضه فيقتل شرطياً أو مجنداً لا ناقة له ولا جمل في مجمل الصراع السياسي في بلده، أو يكيد للعالم الغربي الذي يتجاهل حقوقنا فيدهس بعض الآمنين في شارع.

هذا الفكر المتطرف العنيف، بل الإرهابي المتوحش لا علاقة له بالدين ومصادره، قرآن وسنة، بل هو نتاج أفكار بشر ظهروا في عصور الانحطاط، وكتبوا عن واقعهم المتردي بفكرهم الذي هو نتاج لواقعهم، وسموا ذلك فقهاً إسلامياً أو فتاوى أو أي شيء، هذا الفقه الذي نتج عن عصور الانحطاط أصبح هو الدين في عصرنا هذا، واختفى وراءه الدين الحقيقي، وأصبح علماء الدين الذين تربوا على فقه عصور التخلف والانحطاط مدافعين عن بضاعتهم؛ لأنهم لا يعرفون غيرها، ولم يدرسوا سواها، وصارت أمتنا جيلا بعد جيل طوال القرن الماضي تجتر وتلوك هذا الفقه معتبرة إياه الدين، هذا هو الحال في جناحي الأمة سنة وشيعة…رحم الله الدكتور علي شريعتي وبارك الله في الأستاذ أحمد الكاتب فقد قاما بتشريح هذا الفقه في مذهبهما.

أما على الجانب الآخر، فلم يظهر حتى الآن من يقوم بتشريح هذا الفقه في مذهبه، وظل الأمر قاصراً على محاولات الليبراليين واليساريين الذين يفرغون كل عقدهم النفسية من مسألة الدين في نقدهم، فيتحول نقدهم إلى تأكيد وترسيخ لفقه عصور التخلف؛ لأنهم بدلاً من أن يركزوا على الأفكار نراهم يهينون الأشخاص ويسخرون منهم، ونحن أمة مشغولة بالشخص أكثر من الفكرة، وبالمذهب أكثر من الدين، وبالمظهر أكثر من الجوهر.

إذا نظرنا في جذور هذه الفكرة التي تنزع القداسة عن النفس البشرية وتحولها إلى وسيلة رخيصة لتحقيق أهداف سياسية؛ نجد أنها نابعة من فكرة التكفير التي صارت بديلاً للتفكير، فأصل البلاء هو تكفير الإنسان، ووضعه في موضع الجاحد لدين الله، وطالما هناك شعور بأن المسلم مسؤول عن إيمان الناس وكفرهم، هنا يتحول التكفير إلى مبرر لقتل النفس، وإزهاق الروح.

 وعلى الرغم من استقرار الفقه الإسلامي في عصور ازدهاره على أن الفتوى تتغير بتغير عناصر أربعة هي: تغير الزمان، وتغير المكان، وتغير الإنسان، وتغير أحوال هذا الإنسان، على الرغم من ذلك إلا أن فتاوى ابن تيمية صالحة صلاحية مطلقة مع تغير الزمان والمكان والإنسان وأحوال الإنسان …. لماذا أُعطي ابن تيمية هذا الاستثناء؟ …لا يستطيع أحد الإجابة.

لقد أحصى الدكتور محمد حبش أستاذ التفسير بجامعة دمشق 428 فتوى قالها ابن تيمية تبيح قتل الإنسان المسلم، وجميعها تنتهي بعبارة واحدة "يستتاب وإلا قُتل"، وهذه الفتاوى تتعلق بموضوعات لا ترقى إلى أي نوع من العقاب لأنها قضايا فكرية تتعلق بضمير الإنسان لا يعلمها إلا الله سبحانه وتعالى، وقد عدّد منها الدكتور محمد حبش ما يلي: 

• الرجل البالغ إذا امتنع عن صلاة واحدة من الصلوات الخمس أو ترك بعض فرائضها المتفق عليها فإنه يستتاب فإن تاب وإلا قُتِل.

• من لم يقل إن الله فوق سبع سماواته فهو كافر به حلال الدم يستتاب فإن تاب وإلا ضربت عنقه وألقى على بعض المزابل.

• من قال إن أحداً من الصحابة أو التابعين أو تابعي التابعين قاتل مع الكفار فهذا ضال غاو بل كافر يجب أن يستتاب من ذلك فان تاب وإلا قُتِل.

• من اعتقد صحة مجموع هذه الأحاديث فانه كافر يجب أن يستتاب فإن تاب وإلا قُتِل.

• من جحد حل بعض المباحات الظاهرة المتواترة كالخبز واللحم والنكاح فهو كافر مرتد يستتاب فإن تاب وإلا قُتِل.

• وإن أضمر ذلك (يعني تحريم اللحم أو الخبز أو النكاح) كان زنديقاً منافقاً لا يستتاب عند أكثر العلماء بل يُقتَل بلا استتابة إذا ظهر ذلك منه.

• من لم يلتزم هذا الشرع أو طعن فيه أو جوّز لأحد الخروج عنه فإنه يستتاب فإن تاب وإلا قُتِل. 

• من ادعى أن له طريقاً إلى الله يوصله إلى رضوان الله وكرامته وثوابه غير الشريعة التي بعث الله بها رسوله فإنه أيضاً كافر يُستتاب فإن تاب وإلا ضُربت عنقه.

• أكل الحيات والعقارب حرام بإجماع المسلمين فمن أكلها مستحلاً لذلك فإنه يستتاب فإن تاب وإلا قُتِل.

• من قال القرآن مخلوق أنه يُستتاب فإن تاب وإلا قُتِل. 

• من قال إن الله لم يكلم موسى تكليماً يُستتاب فإن تاب وإلا يُقتَل.

• من ظن أن التكبير من القرآن فإنه يستتاب فإن تاب وإلا قُتِل.

• ومن أخّر الصلاة لصناعة أو صيد أو خدمة أستاذ أو غير ذلك حتى تغيب الشمس وجبت عقوبته بل يجب قتله عند جمهور العلماء بعد أن يستتاب.

• من قال إنه يجب على المسافر أن يصوم شهر رمضان ضال مخالف لأجماع المسلمين يستتاب قائله فإن تاب وإلا قُتِل.

هذا المصدر الفكري لنزع القداسة عن النفس البشرية وتشريع قتلها يحتاج إلى أن تنهض المؤسسات العلمية والتعليمية والمراجع الدينية لمواجهته بالقول الفصل.

نحتاج أن يصدر ميثاق تجمع عليه الأمة شيعة وسنة، وفي جميع الدول يعيد القداسة لروح الله في الإنسان، وأن روح الإنسان نفخة من روح الله، وليس من حق أحد إزهاقها إلا الله سبحانه وتعالى.

نحتاج أن يتحول ذلك إلى دستور ومرجع قانوني للمسلمين؛ لا يخرج عنه إلا مارق عن الأمة خارج عليها، وبدون ذلك سيظهر ملايين الشباب في قادم الأيام يكررون فظائع داعش والقاعدة والحشد الشعبي والحوثي.

الآراء والمعلومات الواردة في مقالات الرأي تعبر عن وجهة نظر الكاتب ولا تعكس توجّه الصحيفة
تعليقات