اقتصاد العالم في دائرة الخطر.. الحرب تدفع الأسواق نحو أزمة أعمق
تمتد تداعيات الصراعات الجيوسياسية سريعا إلى الاقتصاد العالمي، حيث تتشابك الطاقة والتجارة والمال، لتفرض واقعا جديدا على الدول النامية التي تواجه تحديات متزايدة في النمو والاستقرار المالي.
بعد مرور شهرين على اندلاع الحرب مع إيران، يتسع نطاق الخسائر الاقتصادية، إذ تواجه الأسواق الناشئة والنامية ارتفاعا في معدلات التضخم، وزيادة في الضغوط المالية، واضطرابات في حركة التجارة.
خفّض صندوق النقد الدولي توقعات النمو للاقتصادات الناشئة والنامية مجتمعة من 4.2% إلى 3.9%، وشهدت اجتماعاته مع البنك الدولي هذا الشهر في واشنطن تحذيرات صارمة بشأن تداعيات الأزمة.
في المقابل، استفاد بعض المنتجين في مناطق بعيدة من ارتفاع أسعار النفط، إذ قفزت عملتا البرازيل وكازاخستان بأكثر من 9% منذ بداية العام، كما سجلت أسهم الأسواق الناشئة مستويات قياسية، بدعم من أسواق تهيمن عليها شركات التكنولوجيا مثل كوريا الجنوبية وتايوان.
تغيير مسار الناقلات
أدى ارتفاع تكاليف الطاقة وما تبعه من ضغوط تضخمية إلى تقليص قدرة البنوك المركزية على خفض أسعار الفائدة، بل دفعها في بعض الحالات إلى رفع تكاليف الاقتراض.
فقد رفعت الفلبين أسعار الفائدة الأسبوع الماضي، فيما بدأت كل من تركيا وبولندا والمجر وجمهورية التشيك والهند وجنوب أفريقيا تبني سياسات نقدية أكثر تشددًا، تحسبًا لما يُعرف بـ"الآثار الثانوية"، مثل ارتفاع الأجور والتكاليف غير المباشرة.
وأشار "جيه.بي مورغان" إلى أن الأسواق في معظم الاقتصادات الناشئة الكبرى التي يتابعها تتوقع تشديدًا نقديًا خلال الأشهر الستة المقبلة، وهو ما يدعمه أيضًا رأي خبراء الاقتصاد.
وقالت الخبيرة في "ستاندرد آند بورز غلوبال" زاهابيا جوبتا: "قد يؤدي تصاعد الضغوط التضخمية وتزايد الحذر من المخاطر إلى تشديد شروط التمويل، وارتفاع عوائد السندات".
ضغوط الإعانات
تنفق حكومات الأسواق الناشئة بالفعل مئات المليارات من الدولارات سنويًا لتخفيف أعباء ارتفاع أسعار الطاقة على المواطنين، ومن المرجح أن تؤدي الزيادات الأخيرة إلى تضخم هذه الفواتير.
ويُقدّر صندوق النقد الدولي أن إعانات الوقود الأحفوري عالميًا بلغت 725 مليار دولار في 2024، أي ما يعادل 6% من الناتج المحلي الإجمالي العالمي، مقارنة بـ12% في 2022، عندما أدت الحرب في أوكرانيا إلى ارتفاع حاد في تكاليف الطاقة.
وقالت المحللة في "سيتي"، جوانا تشوا: "نتوقع مخاطر مالية متزايدة في الأسواق الناشئة نتيجة سياسات تثبيت الأسعار والتخفيضات الضريبية والإعانات، خاصة إذا استمرت أزمة الطاقة لفترة أطول"، مشيرة إلى أن تركيا وإندونيسيا والهند والمجر وبولندا من بين الدول الأكثر عرضة لهذه المخاطر.
الدول الهشة
تنتمي سريلانكا وباكستان إلى مجموعة من الدول منخفضة الدخل التي عانت سابقا من أزمات اقتصادية، ويخشى محللون من عودتها إلى دائرة الضغوط.
ففي سريلانكا، التي أعلنت تعثرها عن سداد ديونها في 2022، فقد أعادت العمل بإعانات الوقود، وتفاوضت على تخفيف مؤقت لشروط تمويلها من صندوق النقد الدولي.
وفي باكستان، بلغت احتياطيات النقد الأجنبي 16.4 مليار دولار بنهاية مارس/آذار، وهو ما يغطي أقل من 3 أشهر من الواردات الأساسية، فيما يحذر محللون من أن هذه الاحتياطيات قد تكون أقل فعليا عند احتساب التزامات البنك المركزي.
ضربة لأفريقيا
يشير صندوق النقد الدولي إلى أن عددًا من الدول الفقيرة في أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى يتأثر بشدة بالأزمة الحالية.
وقالت كريستالينا غورغييفا، المديرة العامة للصندوق، خلال فعالية في لندن: "نواجه صدمة سلبية في جانب العرض"، محذّرة من أن "أسوأ ما يمكن فعله هو تحفيز الطلب بشكل مفرط"، كما يحدث في بعض الدول التي تقدم إعانات واسعة بدلًا من توجيهها للفئات الأكثر احتياجًا.
وتوقعت غورغييفا أن يضطر الصندوق إلى تقديم دعم طارئ إضافي يتراوح بين 20 و50 مليار دولار لمواجهة تداعيات الأزمة.