سياسة

رواد العولمة الجدد

الخميس 2018.2.1 08:53 صباحا بتوقيت أبوظبي
  • 574قراءة
  • 0 تعليق
 أمل عبدالله الهدابي

ارتبطت "العولمة"، على مستوى المفهوم والتطبيق، بالولايات المتحدة الأمريكية، باعتبارها قائدة للعالم الرأسمالي، حتى أصبحت مرادفة في كثير من الأحيان لمفاهيم ومصطلحات أخرى أنتجتها الدراسات والبحوث مثل "الأمركة" و"الكوكلة"، وباتت العولمة تعني اتباع النموذج الأمريكي و"أمركة" الثقافة في أي من بلدان العالم، سواء كان ذلك برغبة أمريكية لصياغة الثقافة العالمية وفق نسق واحد أم وفق رغبة الشعوب والدول نفسها للمضي وراء هذا النسق. 

هناك فيض غزير من الدراسات والكتب التي تناولت تأثير الثقافة الأمريكية على العالم، وما يرتبط بذلك من مخاوف ظلت متداولة طيلة عقدي الثمانينيات والتسعينيات من القرن العشرين بشأن "الغزو الثقافي"، وغير ذلك من مخاوف مشروعة للنخب والساسة. 

لم يعد مقنعاً ترديد أفكار تقليدية، مثل إن العولمة مشروع استعماري أمريكي يستهدف "نمذجة" العالم والسيطرة عليه، وبغض النظر عن فكرة "حتمية العولمة" التي رددها بعض الباحثين لفترة سابقة، فإن العولمة نفسها لم تعد أمريكية الهوى.

على الصعيد الاقتصادي.. باتت العولمة أمراً واقعاً، ولم يعد هناك اقتصاد يستطيع الانخراط في الاقتصاد العالمي دون الالتزام بقواعد منظمة التجارة العالمية، أحد رموز العولمة في شقها الاقتصادي، ولم يعد السؤال الأهم يتمحور حول جدوى النموذج الرأسمالي، بل حول كيفية الحد من تأثيراته والمواءمة بين دور الدولة ودور الشركات عابرة القارات، وما بين هذين الأمرين من نقاشات جدلية حول حدود السيادة والقوميات، وسبل الحفاظ على الطبقات الوسطى في مواجهة تغول العولمة، والفوارق بين الليبرالية والنيوليبرالية!!

وقد اعتاد العالم في سنوات وعقود سابقة، وتحديداً عقب انتهاء الحرب الباردة وبدايات صعود العولمة وانتشارها بوتيرة متسارعة، على متابعة الأصوات والتيارات المناوئة للعولمة، وكانت هذه التيارات في معظمها يسارية أو قومية، ولكن اللافت الآن أن من يتصدى للعولمة، أو هكذا يبدو في ظاهر الأمور على الأقل، قادة ودول طالما كانوا روادا لها!

بالتأكيد، وفي ضوء ما سبق، لم يعد مقنعاً ترديد أفكار تقليدية، مثل إن العولمة مشروع استعماري أمريكي يستهدف "نمذجة" العالم والسيطرة عليه، وبغض النظر عن فكرة "حتمية العولمة" التي رددها بعض الباحثين لفترة سابقة فإن العولمة نفسها لم تعد أمريكية الهوى، في ظل بروز متغيرين مهمين.

أولهما انتصار الفكر الانعزالي في السياسة الخارجية الأمريكية بوصول الرئيس ترامب إلى السلطة، رافعاً مبدأ "أمريكا أولاً"، وهو المبدأ الذي يمثل شعاراً لنهج الحمائية في المجالات التجارية والاقتصادية، الذي ترجم إلى توجه إدارة ترامب للانسحاب من معظم اتفاقيات التبادل التجاري الحر مع شركاء الولايات المتحدة الاستراتيجيين في العالم! ومن ثم سقوط أحد أبرز ركائز العولمة في تجلياتها الاقتصادية والتجارية، فضلاً عما لحق بالنموذج الأمريكي في شقه الثقافي والسياسي، الخاص بالقيم والمبادئ والحريات وحقوق الإنسان من شكوك تناول من الصورة النمطية للولايات المتحدة في نظر الملايين حول العالم.

واكتسب هذا التوجه الأمريكي قوة إضافية في ظل صعود التيار اليميني انتخابياً في عدد من دول أوروبا الغربية، حيث انتشر نسبياً تيار انعزالي معاد للاندماجات والتكتلات في شقها الاقتصادي بالأساس، واهتز العالم لخروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي "بركزيت".

والمتغير الثاني يتمثل في صعود مدافعين جدد عن العولمة ومؤيدين لها ليسوا من دول العالم الرأسمالي، حيث انتقلت دول كانت تخشى العولمة مثل الصين والهند من مربع الرفض والتوجس والقلق حيالها إلى الانخراط فيها ثم إلى الترويج لها.

بعد حديث الرئيس الصيني العام الماضي أمام مؤتمر "دافوس"، الملتقى الشهير والرمز الأكثر بروزاً للعولمة، العام الماضي ودفاعه بشدة عن العولمة، نصّب رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي، نفسه، في افتتاح منتدى "دافوس" مؤخراً، مدافعاً عن العولمة، ونقل إلى الحاضرين مخاوفه من أن العولمة "تفقد بريقها"، ومؤكداً أن "بناء جدران تجارية عازلة ليس حلاً"، ومعلناً أن الهند ستكون قدوة بفتح أبوابها أمام الاستثمارات الخارجية".

كان مودي يقدم الهند كقوة صاعدة قادرة على قيادة دفة العولمة، وانتقد ضمناً سياسات الانعزالية والحمائية، قائلاً "الانعزالية لا يمكن أن تكون الحل لهذا الوضع المثير للقلق".

وذهب مودي إلى حد الدفاع بشكل لافت عن العولمة، حين قال "يبدو كأن مسارا عكسيا للعولمة يحدث، إن التأثير السلبي لهذا النمط من العقلية والأولويات الخاطئة يجب ألا تعد أقل خطورة من التغير المناخي أو الإرهاب".

يساوي رئيس وزراء الهند بين تأثير الانعزالية وتأثير الإرهاب والتغير المناخي، إنه تحول عميق في التوجهات والأولويات ومسارات القيادة العالمية!!

صحيح أن الرئيس ترامب قد خالف التوقعات حين شرح مبررات سياساته الحمائية ولم يدافع عنها بالشراسة التي اعتادها شركاء الولايات المتحدة التقليديين، بل حاول شرحها وتبريرها محاولاً تعديل المسار، وإرسال رسالة إيجابية للعالم عبر خطاب مكتوب بشكل دقيق ومتخلياً عن الفكر "التويتري" الذي يسيطر على سياساته، لكن يبقى صوت المنافسين الجدد في قيادة العولمة ذا تأثير بالغ في تحديد مسارات هذه الظاهرة وتوجيه دفتها في المستقبل بأمديته المختلفة.

إنهم رواد العولمة الجدد من القوى الصاعدة التي وجدت في الظاهرة، أمريكية المنشأ والأساس، مردودات عظيمة لها، فباتت تدافع عنها، بل تسعى إلى أن تكون رائدة، وربما قائدة لها.


الآراء والمعلومات الواردة في مقالات الرأي تعبر عن وجهة نظر الكاتب ولا تعكس توجّه الصحيفة
تعليقات