كيف تنجو الدول من آثار الحرب؟.. وصفة «هارفارد»
يُلقي استمرار إغلاق مضيق هرمز بظلال ثقيلة على الاقتصاد العالمي، في وقت تتزايد فيه المخاوف من تداعيات تمتد لما بعد زمن الصراع.
ووفق تقديرات صندوق النقد الدولي، فإن النمو العالمي مرشَّح للتراجع من 3.4% إلى 3.1% هذا العام، مع احتمالات هبوطه إلى 2% إذا استمر تعطل تدفقات النفط والغاز حتى العام المقبل.
ونقل تحليل نشرته مجلة فورين بوليسي عن جيتا جوبيناث، أستاذة الاقتصاد بجامعة هارفارد، أن السيناريو الأساسي الذي وضعه الصندوق يفترض انتهاء الأزمة سريعًا، وهو ما يبدو بعيدًا في ظل استمرار توقف الملاحة عبر المضيق. وأوضحت أن هذا السيناريو “الأفضل” لا يعكس المخاطر الحقيقية، إذ إن استمرار الأزمة قد يدفع الاقتصاد العالمي إلى تباطؤٍ أكثر حدة.
السيناريو السلبي
وأشارت جوبيناث إلى أن السيناريو السلبي يفترض وصول متوسط أسعار النفط إلى 100 دولار للبرميل، ما قد يخفض النمو إلى 2.5%، بينما قد يؤدي تفاقم الأزمة وارتفاع الأسعار إلى 110 دولارات إلى هبوط النمو إلى 2%، وهو مستوى نادر تاريخيًا. وأشارت إلى أن المخاطر الحالية “تميل بشكل واضح نحو التراجع”، في ظل هشاشة سلاسل الإمداد العالمية.
وفي الوقت نفسه، تختلف تداعيات الأزمة من دولة إلى أخرى، حيث تستفيد الدول المصدِّرة للطاقة نسبيًا، بينما تتحمل الدول المستوردة، خصوصًا منخفضة الدخل، العبء الأكبر. وأظهرت بيانات الصندوق أن هذه الدول تواجه ضغوطًا مزدوجة نتيجة ارتفاع أسعار الطاقة والغذاء، مما يهدد استقرارها الاقتصادي والاجتماعي.
ولا تقتصر التأثيرات على قطاع الطاقة فقط، بل تمتد إلى سلاسل إنتاج متعددة. إذ ارتفعت أسعار المواد البتروكيماوية مثل النايلون والبوليستر، مما أدى إلى تضاعف تكلفة الخيوط في بعض الدول الآسيوية، كما ارتفعت أسعار الأسمدة نتيجة زيادة تكلفة الكبريت، وهو ما ينذر بارتفاع أسعار الغذاء خلال الأشهر المقبلة.
كما تأثرت قطاعات النقل والسياحة بشكل مباشر، حيث اضطرت شركات طيران عديدة إلى خفض عدد رحلاتها بسبب تضاعف أسعار وقود الطائرات، في حين أعلنت دول مثل الفلبين حالة طوارئ في قطاع الطاقة. ويعكس ذلك مدى الترابط بين القطاعات الاقتصادية، حيث يمكن لأي صدمة في الطاقة أن تمتد سريعًا إلى باقي الأنشطة.
ورغم تلك الضغوط، ترى جوبيناث أن الاقتصاد العالمي لم يصل بعد إلى مرحلة الركود، مشيرة إلى أن التأثيرات الحالية “مؤثرة لكنها لا تدفع نحو أزمة شاملة حتى الآن”، ما لم تتفاقم الأوضاع المالية العالمية أو تتعرض البنية التحتية للطاقة لأضرار أكبر.
وفيما يتعلق بالدول الأكثر عرضة للخطر، حذرت من أن الاقتصادات الهشة المرتبطة ببرامج مع صندوق النقد، مثل سريلانكا وباكستان ونيجيريا، قد تواجه صدمات شديدة، خاصة مع ارتفاع تكاليف الطاقة وتراجع عائدات السياحة.
توصيات النجاة
وقدمت جوبيناث وصفتها للنجاة من هذه الأزمة، داعية الدول إلى التركيز على أهمية تعزيز استقلال الطاقة عبر الاستثمار في مصادر بديلة مثل الطاقة المتجددة، وتحديث شبكات الكهرباء لاستيعاب هذه التحولات. كما أكدت أن تنويع مصادر الإمداد وتقليل الاعتماد على الممرات الحيوية يمثلان أولوية استراتيجية للدول. وقالت إن مستقبل النمو بات مرتبطًا بقدرة الدول على التكيف مع عالم أكثر اضطرابًا، حيث لم تعد الطاقة مجرد سلعة، بل أداة نفوذ تحدد موازين القوى الاقتصادية.
ورغم تصاعد التوترات الجيوسياسية، اعتبرت أن النظام التجاري العالمي لا يزال متماسكًا نسبيًا، حيث يتم أكثر من 70% من التجارة العالمية وفق قواعد منظمة التجارة العالمية، ما يقلل من احتمالات الانزلاق إلى موجة حمائية شاملة كما حدث في ثلاثينيات القرن الماضي.
في المقابل، تبرز بعض الدول كأكبر المستفيدين من الأزمة، وعلى رأسها الولايات المتحدة، التي عززت موقعها كقوة طاقة كبرى، إلى جانب تفوقها في مجال الذكاء الاصطناعي، مما جذب تدفقات استثمارية قياسية. كما استفادت روسيا من ارتفاع أسعار النفط، رغم التحديات الهيكلية التي تواجه اقتصادها بسبب الحرب والعقوبات.