بعد شجار الغوريلا مع زوجته.. لغز التشابه الجيني المدهش مع البشر
اجتاح مقطع فيديو طريف منصات التواصل الاجتماعي خلال الساعات الماضية، بعدما أظهر غوريلا في مشهد بدا للكثيرين أقرب إلى التصرفات البشرية منه إلى سلوك الحيوانات.
الفيديو الذي حصد ملايين المشاهدات وثّق لحظة شجار بين الغوريلا وإحدى الإناث داخل المجموعة، قبل أن ينسحب بهدوء إلى أحد الأركان ويجلس منفردًا في وضعية بدت وكأنه غارق في التفكير والتأمل فيما حدث. هذا المشهد أثار موجة واسعة من التعليقات الساخرة، حيث شبّه كثيرون تصرف الغوريلا برد فعل الأزواج بعد الخلافات العائلية، بينما أعاد الفيديو إلى الواجهة الحديث عن أوجه التشابه المذهلة بين الإنسان والغوريلا، والتي تمتد من السلوك الاجتماعي والعاطفي إلى التركيبة الجينية التي تجعلها من أقرب الكائنات الحية إلى البشر.

عندما ينظر الإنسان إلى الغوريلا عن قرب، يصعب تجاهل أوجه الشبه اللافتة بينهما. فالدراسات الجينية تؤكد أن نحو 98% من الحمض النووي لدى الغوريلا يتطابق مع الإنسان، ما يجعلها من أقرب الكائنات الحية إلينا. ولا يقتصر التشابه على الجينات فقط، بل يمتد إلى العديد من الصفات الجسدية؛ فالأذنان متشابهتان إلى حد كبير، كما تمتلك الغوريلا أيديًا تحتوي على أصابع وإبهامًا قابلاً للمعاكسة وأظافر تنمو بطريقة مشابهة للبشر. هذه القواسم المشتركة دفعت العلماء لاعتبار الغوريلا نافذة مهمة لفهم تاريخ الإنسان وتطوره عبر ملايين السنين.

الأمومة عند الغوريلا.. قصة قريبة من حياة البشر
من أكثر أوجه التشابه إثارة بين الإنسان والغوريلا ما يتعلق بالأمومة ورعاية الصغار. ففترة حمل أنثى الغوريلا تبلغ نحو ثمانية أشهر ونصف الشهر، وهي مدة قريبة جدًا من فترة الحمل لدى الإنسان. وبعد الولادة تبقى الأم ملازمة لصغيرها لسنوات طويلة، حيث يعتمد عليها في الغذاء والحماية والتعلم. كما تستمر الرضاعة الطبيعية لدى صغار الغوريلا لفترة قد تصل إلى أربع سنوات. والأكثر إثارة أن رعاية الصغار لا تقتصر على الأم فقط، إذ تشارك إناث المجموعة أحيانًا في الاهتمام بالمولود الجديد، في مشهد يشبه الدعم العائلي والاجتماعي الذي تحصل عليه الأمهات في المجتمعات البشرية.

أين يكمن الاختلاف؟ تفاصيل صغيرة صنعت الفارق
رغم التقارب الكبير بين النوعين، فإن الفروق المتبقية كانت كافية لصناعة مسارين مختلفين تمامًا في التطور. فالغوريلا تمتلك أصابع قدم قابلة للمعاكسة تشبه الإبهام الموجود في اليد، وهو ما يمنحها قدرة كبيرة على التسلق والإمساك بالأشياء أثناء الحركة بين الأشجار. كما أن قوة عضلات الفك لديها تفوق الإنسان بكثير، إذ يستطيع الذكر البالغ كسر ثمرة جوز الهند بعضة واحدة. ويرجع ذلك إلى امتداد عضلات الفك حتى أعلى الرأس، بينما تقتصر لدى الإنسان على مناطق محددة حول عظام الوجنتين، ما يمنح الغوريلا قوة عضّ استثنائية.

فك الشفرة الجينية.. خطوة جديدة لفهم أصول البشر
في عام 2012 نجح فريق دولي من الباحثين في فك الشفرة الجينية الكاملة للغوريلا، لتصبح آخر القردة العليا التي يتم تسلسل جيناتها بالكامل. واعتمدت الدراسة على الحمض النووي لأنثى غوريلا من السهول الغربية تُدعى "كاميلا". وأظهرت النتائج أن الإنسان والشمبانزي يشتركان في نحو 99% من الحمض النووي، بينما تبلغ نسبة التشابه بين الإنسان والغوريلا نحو 98%. كما كشفت الدراسة أن السلالة البشرية انفصلت عن أسلاف الغوريلا قبل نحو 10 ملايين سنة، ثم انفصلت عن الشمبانزي قبل نحو 6 ملايين سنة، وهو ما ساعد العلماء على رسم صورة أوضح لمسار تطور الإنسان عبر العصور.

أسرار جينية قد تغيّر فهم الأمراض البشرية
لم تقتصر أهمية الجينوم الجديد على دراسة التطور فقط، بل فتحت الباب أمام أبحاث طبية واعدة. فقد اكتشف العلماء أن بعض الطفرات الجينية المرتبطة بأمراض خطيرة لدى البشر، مثل الخرف وبعض أمراض القلب، توجد أيضًا لدى الغوريلا لكنها لا تسبب لها الأضرار نفسها. ويرى الباحثون أن فهم أسباب مقاومة الغوريلا لهذه الأمراض قد يساعد مستقبلًا في تطوير علاجات جديدة للبشر. كما كشفت المقارنات الجينية أن نحو 15% من جينات الإنسان أقرب إلى الغوريلا منها إلى الشمبانزي، وهي نتيجة غير متوقعة تؤكد أن شجرة التطور أكثر تعقيدًا مما كان يُعتقد سابقًا.

الغوريلا والإنسان.. رحلة بحث عن سر العقل البشري
يعتقد العلماء أن دراسة الغوريلا قد تساعد في الإجابة عن أحد أكبر الأسئلة في تاريخ البشرية: كيف تطور العقل البشري ليصبح قادرًا على التفكير المجرد وصناعة الحضارات؟ فقبل عشرات الآلاف من السنين كان الإنسان الحديث يعيش في أفريقيا بطريقة لا تختلف كثيرًا عن حياة القردة العليا الأخرى. لكن شيئًا ما حدث لاحقًا أدى إلى ظهور اللغة والثقافة والقدرة على ابتكار الأدوات وتغيير البيئة المحيطة. وبينما لا يزال هذا اللغز دون إجابة حاسمة، يرى الباحثون أن مقارنة الجينومات الكاملة للقردة العليا قد تكشف يومًا ما عن المفاتيح الجينية التي ساهمت في صناعة الإنسان بصورته الحالية.