العشب الذي وحّد 3 دول.. القصة العلمية خلف ملاعب كأس العالم 2026
بين ملاعب مكسيكو سيتي المرتفعة، وأجواء ميامي الحارة، والمناخ الأكثر برودة في تورونتو، واجه منظمو كأس العالم 2026 تحدياً بدا مستحيلاً.
ويتمثل التحدي في كيف يمكن توفير تجربة لعب متطابقة للاعبين في 16 ملعباً موزعة على ثلاث دول مختلفة.

ورغم أن أنظار الجماهير تتجه عادة إلى النجوم والأهداف، فإن معركة أخرى أقل ظهوراً دارت خلف الكواليس، كان بطلها هذه المرة العشب الذي يغطي أرضية الملاعب.
فبطولة كأس العالم 2026 هي الأكبر في تاريخ البطولة، إذ تضم 104 مباريات تقام في الولايات المتحدة وكندا والمكسيك، ما دفع الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا) إلى الاستعانة بباحثين متخصصين في علوم المسطحات الخضراء لتطوير أرضيات ملاعب تمنح اللاعبين الإحساس نفسه أينما لعبوا.
أكثر من مجرد عشب
قد يبدو العشب مجرد غطاء أخضر للأرضية، لكنه في الواقع عنصر حاسم يؤثر على سرعة الكرة وارتدادها وثبات أقدام اللاعبين وحتى معدلات الإصابات.
ويقول الباحثون في تقرير نشره موقع "ذا كونفرسيشن" الشهير، إن هدفهم لم يكن زراعة العشب فحسب، بل تصميم "نظام لعب متكامل" يجعل الكرة تتصرف بالطريقة نفسها تقريباً سواء أُقيمت المباراة في لوس أنجلوس أو مونتيري أو تورونتو.
3 مناخات.. وملعب واحد
التحدي الأكبر كان اختلاف البيئات المناخية بشكل جذري بين المدن المستضيفة، فبعض الملاعب مفتوح للسماء ويتعرض لأشعة الشمس المباشرة، مثل ميامي، بينما تقع ملاعب أخرى داخل منشآت مغلقة لا يصلها ضوء الشمس الطبيعي إلا بشكل محدود، مثل هيوستن وأتلانتا. كما تختلف درجات الحرارة والرطوبة والارتفاع عن سطح البحر بين مدينة وأخرى.
وللتغلب على هذه المشكلة، اختار العلماء أنواعاً مختلفة من الأعشاب بحسب ظروف كل ملعب. فبينما استُخدم عشب "بيرمودا" في الملاعب المفتوحة الدافئة، لجأت بعض الملاعب المغلقة إلى خليط من "كنتاكي بلوغراس" و"الراي غراس" الأكثر قدرة على النمو في ظروف الإضاءة المحدودة.

العشب يسافر آلاف الكيلومترات
ولم تُزرع أرضيات الملاعب داخل الاستادات نفسها، بل جرى إنتاج معظمها في مزارع متخصصة قبل نقلها إلى الملاعب.
واعتمد الباحثون على تقنية زراعة العشب فوق طبقات بلاستيكية خاصة تسمح بحصاده ونقله كاملاً دون أن تتضرر جذوره. وبعد ذلك يُشحن في شاحنات مبردة لمسافات قد تمتد عبر القارة الأمريكية بأكملها قبل تركيبه في الملعب المستضيف.
عندما يصبح الملعب مختبراً علمياً
قبل اعتماد أي أرضية، خضعت الملاعب لاختبارات دقيقة تحاكي حركة اللاعبين وسقوطهم واحتكاك أحذيتهم بالأرض.
واستخدم الباحثون أجهزة متخصصة لقياس صلابة السطح وارتداد الكرة ومقاومة الالتفاف، وهي عوامل تؤثر مباشرة على أداء اللاعبين وسلامتهم. كما اختُبرت عدة أنظمة مختلفة للأرضيات قبل اختيار الأنسب لكل مدينة مضيفة.

لماذا كل هذا التعقيد؟
السبب يعود إلى الدروس المستفادة من بطولات سابقة شهدت انتقادات واسعة لجودة بعض الملاعب.
فاللاعبون والمدربون كثيراً ما اشتكوا من أرضيات غير مستقرة تؤثر على حركة الكرة وتزيد من احتمالات الإصابات. ولهذا ركز فيفا في مونديال 2026 على توحيد معايير الأرضيات بنفس القدر الذي يهتم فيه بقوانين التحكيم أو تقنيات الفيديو.

المستطيل الأخضر.. لاعب خفي في المونديال
ورغم أن الجماهير قد لا تلاحظ الفارق بين أنواع العشب المختلفة، فإن اللاعبين يشعرون به فوراً. فكل تمريرة وتسديدة وانطلاقة تعتمد جزئياً على خصائص الأرضية التي تقام عليها المباراة.
ولهذا يمكن اعتبار العشب أحد اللاعبين الخفيين في كأس العالم 2026؛ لاعباً لا يسجل أهدافاً ولا يرفع الكأس، لكنه قد يكون وراء نجاح البطولة الأكبر في تاريخ كرة القدم، عبر توفير تجربة لعب موحدة في ثلاث دول تفصل بينها آلاف الكيلومترات.