معركة خفية في كأس العالم.. أحلام المنتخبات الكبرى تصطدم باضطراب النوم
عندما يشاهد الجمهور مباريات كأس العالم، يركز معظمهم على الخطط التكتيكية والمهارات الفردية واللياقة البدنية.
لكن خلف الكواليس تدور معركة أخرى لا تقل أهمية عن المباراة نفسها، وهي معركة النوم.
في البطولات العالمية، خاصة تلك التي تستضيفها دول بعيدة جغرافياً عن مقار المنتخبات، يواجه اللاعبون تحدياً فسيولوجياً معقداً يتمثل في اضطراب الساعة البيولوجية الناتج عن السفر عبر مناطق زمنية متعددة.
ويرى علماء الرياضة أن التعامل الناجح مع هذه المشكلة قد يصنع الفارق بين الفوز والخسارة، خصوصاً في البطولات القصيرة التي تُحسم فيها التفاصيل الصغيرة.

لماذا يربك السفر الساعة البيولوجية؟
يمتلك جسم الإنسان ما يعرف بالساعة البيولوجية الداخلية، وهي نظام معقد موجود داخل الدماغ ينظم النوم والاستيقاظ وإفراز الهرمونات ودرجة حرارة الجسم ومستويات التركيز.
وعندما يسافر اللاعب بسرعة عبر عدة مناطق زمنية، كما يحدث في الرحلات العابرة للقارات، تستمر الساعة البيولوجية في العمل وفق توقيت البلد الأصلي، بينما يفرض المكان الجديد توقيتاً مختلفاً، وهنا تظهر حالة تعرف باسم "اضطراب الرحلات الجوية الطويلة"
وتوضح مراجعة علمية نشرت في مجلة "سبورت ميدسين" أن اضطراب الرحلات الجوية الطويلة يؤدي إلى صعوبات في النوم، وانخفاض اليقظة الذهنية، وتراجع سرعة الاستجابة، واضطرابات في المزاج والأداء البدني.
ماذا يحدث لأداء اللاعب؟
المشكلة لا تقتصر على الشعور بالتعب، فدراسة نشرت في مجلة "بريتش جورنال أوف سبورت ميدسين"، أظهرت أن اضطرابات النوم تؤثر على سرعة اتخاذ القرار والدقة الحركية وردود الفعل، وهي عناصر أساسية في كرة القدم الحديثة.
وتشير أبحاث أخرى إلى أن الحرمان من النوم أو سوء جودته يرتبط بانخفاض القدرة على الجري المتكرر، وتراجع الدقة في التمرير والتسديد، وزيادة احتمالات الإصابة العضلية.
وفي بطولة مثل كأس العالم، حيث قد يفصل هدف واحد بين التأهل والخروج، تصبح هذه التأثيرات ذات أهمية كبيرة.
النوم.. سلاح سري للمنتخبات الكبرى
خلال السنوات الأخيرة، أصبح النوم جزءاً أساسياً من برامج الإعداد الرياضي، فبحسب دراسة نشرت في مجلة "إنترناشونال جورنال أوف سبورتس فيزيولوجي آند بيرفورمانس"، فإن زيادة مدة النوم لدى الرياضيين ترتبط بتحسن زمن الاستجابة والدقة المهارية والأداء البدني العام، ولهذا أصبحت بعض المنتخبات الوطنية تستعين بخبراء متخصصين في النوم لمراقبة أنماط نوم اللاعبين طوال البطولة.
كما تستخدم العديد من الفرق أجهزة قابلة للارتداء لقياس مدة النوم وجودته ومراحل النوم المختلفة، بهدف اكتشاف أي مشكلات قبل أن تؤثر على الأداء داخل الملعب.
لماذا يكون السفر شرقاً أصعب من السفر غرباً؟
وتشير الدراسات إلى أن اتجاه السفر يلعب دوراً مهماً في شدة اضطراب الساعة البيولوجية، فعند السفر شرقاً، يضطر الجسم إلى النوم والاستيقاظ في وقت أبكر من المعتاد، وهو أمر يصعب على الساعة البيولوجية التكيف معه، أما عند السفر غرباً، فيكون المطلوب تأخير موعد النوم، وهو ما يجده الجسم أسهل نسبياً.
ووفقاً لبيانات نشرت في مجلة "سليب ميديسن ريفيوز" ، يحتاج الجسم في المتوسط إلى يوم تقريباً للتكيف مع كل منطقة زمنية يتم عبورها.
وهذا يعني أن لاعباً يسافر عبر ست مناطق زمنية قد يحتاج إلى ما يقرب من أسبوع كامل للوصول إلى التكيف الكامل.
دراسة من الرياضات الاحترافية: الأداء يتأثر بالفعل
وفي دراسة شهيرة أجريت على فرق دوري البيسبول الأمريكي ونشرت في دورية " بروسييدنجز أوف ذا ناشونال أكاديمي أوف ساينسز"، وجد الباحثون أن اضطراب الرحلات الجوية الطويلة يؤثر بصورة ملحوظة على الأداء الرياضي والنتائج التنافسية.
وأظهرت البيانات أن الفرق التي تعاني من اختلال الساعة البيولوجية تكون أكثر عرضة لتراجع الأداء مقارنة بالفرق التي تتمتع بفترة كافية للتأقلم.
ورغم اختلاف طبيعة الرياضات، فإن العلماء يرون أن الآليات البيولوجية الأساسية نفسها تنطبق على لاعبي كرة القدم.

كيف يتغلب اللاعبون على المشكلة؟
وللتغلب على هذه المشكلات يحدد د.أسامة صبري، استشاري طب النوم بوزارة الصحة المصرية في تصريحات لـ "العين الإخبارية" عده تدخلات يمكن تنفيذها، أبرزها:
1- تعديل مواعيد النوم مسبقاً
قبل السفر بعدة أيام، يبدأ اللاعبون تدريجياً في تغيير مواعيد النوم والاستيقاظ لتقترب من توقيت الدولة المستضيفة.
وتشير الدراسات إلى أن هذه الطريقة تساعد في تقليل حدة الصدمة البيولوجية عند الوصول.
2- التحكم في التعرض للضوء
يُعد الضوء أقوى منظم للساعة البيولوجية، ولهذا يمكن أن يستخدم بعض اللاعبين نظارات خاصة أو برامج دقيقة للتعرض للضوء الطبيعي في أوقات محددة، بهدف تسريع عملية التكيف مع التوقيت الجديد.
3- استخدام الميلاتونين
تشير مراجعات علمية منشورة في "كوكرين داتابيز أوف سستماتيك رِفيوز" إلى أن هرمون الميلاتونين يمكن أن يساعد في تقليل أعراض اضطراب الرحلات الجوية الطويلة عند استخدامه بشكل صحيح وتحت إشراف طبي.
4- تنظيم القيلولة
يستخدم الرياضيون القيلولة القصيرة لتعويض النقص المؤقت في النوم، لكن خبراء النوم يحذرون من إطالتها حتى لا تؤثر سلباً على النوم الليلي.