الخليج والعراق.. «منظومة أمنية مترابطة»
زيارة تتجاوز البعد البروتوكولي التقليدي لتحمل مؤشرات تعكس تنامي القناعة بأن أمن العراق والخليج بات منظومة مترابطة.
ولم تقتصر زيارة الأمين العام لمجلس التعاون لدول الخليج العربية، جاسم محمد البديوي، إلى بغداد على تبادل رسائل التهنئة بتشكيل الحكومة العراقية الجديدة، بل حملت مؤشرات سياسية تعكس تنامي هذه القناعة لدى الجانبين.
كما تؤشر إلى أن تعزيز الشراكة لم يعد يقتصر على الجوانب الاقتصادية والاستثمارية، وإنما يمتد إلى التنسيق الأمني والسياسي باعتباره ركيزة للاستقرار الإقليمي.
وجاءت لقاءات البديوي مع الرئيس العراقي نزار أوميدي ورئيس مجلس الوزراء علي الزيدي في توقيت تشهد فيه المنطقة تحولات متسارعة، الأمر الذي دفع الطرفين إلى تأكيد أهمية توسيع آفاق التعاون، وبناء شراكة تستند إلى المصالح المشتركة، ودعم الأمن والتنمية والازدهار في المنطقة.
أمن مترابط
حملت تصريحات الرئيس العراقي نزار أوميدي الرسالة الأبرز خلال الزيارة، حيث أكد أن أمن العراق وأمن دول الخليج "مترابط ويكمل أحدهما الآخر"، معتبراً أن تعزيز التعاون والتنسيق المشترك يمثل ركيزة أساسية لدعم الاستقرار والازدهار في المنطقة وتحقيق المصالح المشتركة.
وأشار إلى أن العراق ينتهج سياسة تقوم على الانفتاح والتعاون البناء مع محيطه العربي والإقليمي، داعياً إلى توسيع مجالات العمل المشترك، وتكثيف التنسيق والتشاور إزاء القضايا ذات الاهتمام المشترك بما يعزز الأمن والاستقرار والتنمية.
ويعكس هذا الطرح تحولاً في الخطاب الرسمي العراقي، من التركيز على العلاقات الثنائية إلى تبني مفهوم الأمن الإقليمي المشترك، الذي ينظر إلى استقرار العراق والخليج بوصفه ملفاً واحداً لا يمكن فصله.
ويكشف هذا التوجه استمرار السياسة العراقية الرامية إلى تعزيز الانفتاح على دول الخليج، مع التركيز على الشراكات الاقتصادية والاستثمارية، إلى جانب التنسيق السياسي والأمني في مواجهة التحديات الإقليمية.
الزيدي: الخليج عمق العراق العربي
من جانبه، أكد رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي أن حكومته تنظر إلى دول الخليج باعتبارها العمق العربي للعراق، مشدداً على أن المرحلة المقبلة ستقوم على بناء دولة عصرية ذات سيادة كاملة واقتصاد متين، مع ترسيخ سيادة القانون وتعزيز العلاقات مع المحيط العربي والإقليمي والدولي.
وأشار الزيدي خلال استقباله الأمين العام لمجلس التعاون الخليجي، إلى أن الحكومة العراقية حريصة على توطيد التعاون مع دول المجلس في مختلف المجالات، بما يعزز المصالح المشتركة ويدعم التنمية الاقتصادية.
إشادة خليجية بالإصلاحات العراقية
في المقابل، حملت تصريحات الأمين العام لمجلس التعاون الخليجي رسائل دعم واضحة للحكومة العراقية، إذ أشاد بالإصلاحات التي شرعت بها حكومة علي الزيدي، ولا سيما في مجالات تعزيز الاقتصاد، ومكافحة الفساد، وحصر السلاح بيد الدولة.
وأكد البديوي استعداد دول مجلس التعاون لتوسيع الشراكة مع العراق في مختلف القطاعات، بما يعكس رغبة خليجية في الارتقاء بالعلاقات إلى مستويات أوسع من التعاون الاقتصادي والسياسي والأمني.
وتمثل هذه الإشادة دعماً سياسياً لمسار الحكومة العراقية، كما تعكس اهتماماً خليجياً باستقرار العراق باعتباره عاملاً أساسياً في استقرار المنطقة.
من الاقتصاد إلى الأمن الإقليمي
وتشير مضامين اللقاءات إلى أن العلاقات العراقية-الخليجية تجاوزت مرحلة التركيز على التجارة والاستثمار فقط، لتشمل ملفات الأمن الإقليمي، والتنسيق السياسي، ومواجهة التحديات المشتركة.
ويكتسب هذا التحول أهمية خاصة في ظل المتغيرات التي تشهدها المنطقة، سواء ما يتعلق بأمن الملاحة، أو أمن الطاقة، أو مكافحة الإرهاب، أو حماية الممرات التجارية، وهي ملفات باتت تستدعي تنسيقاً أكبر بين بغداد والعواصم الخليجية.
كما أن تأكيد بغداد حصر السلاح بيد الدولة، وتعزيز سيادة القانون، ينسجم مع رؤية خليجية تقوم على دعم استقرار العراق بوصفه شريكاً أساسياً في منظومة الأمن العربي.
رسائل ومرحلة جديدة
رغم أن الزيارة جاءت في إطار نقل تهنئة قادة دول مجلس التعاون إلى الحكومة العراقية الجديدة، فإن مضمون المباحثات حمل رسائل سياسية تتجاوز الطابع البروتوكولي، إذ ركزت على بناء شراكة استراتيجية طويلة الأمد، قائمة على المصالح المشتركة والتنسيق المستمر.
ويؤكد تكرار الحديث عن الأمن المشترك، والانفتاح الاقتصادي، والتعاون في مختلف المجالات، أن بغداد ودول الخليج تسعيان إلى بناء مرحلة جديدة من العلاقات، يكون فيها العراق شريكاً أساسياً في صياغة معادلات الاستقرار الإقليمي، وليس مجرد طرف يتلقى الدعم أو المبادرات.
وتعكس لقاءات بغداد بين القيادة العراقية والأمين العام لمجلس التعاون الخليجي اتجاهاً نحو ترسيخ مفهوم أن أمن العراق والخليج لا يمكن فصله عن بعضه البعض، وأن مواجهة التحديات الأمنية والاقتصادية تتطلب تنسيقاً مستمراً وشراكة متكاملة.
ومع استمرار الانفتاح العراقي على محيطه العربي، تبدو العلاقات مع دول مجلس التعاون الخليجي مرشحة للدخول في مرحلة جديدة، عنوانها التكامل في ملفات الأمن والتنمية والطاقة والاستثمار، بما يعزز الاستقرار الإقليمي ويخدم المصالح المشتركة لشعوب المنطقة.
إدانة للاعتدات الإيرانية على الخليج
في وقت سابق من هذا الأسبوع، أكد رئيس مجلس النواب العراقي، هيبت الحلبوسي، دعم العراق للجهود الرامية إلى ترسيخ التهدئة الإقليمية وإنجاح المسارات السياسية التي تمهد للتوصل إلى اتفاق سلام شامل في المنطقة، مجدداً تأييد بغداد لمذكرة التفاهم الأخيرة بين الولايات المتحدة وإيران.
وقال الحلبوسي، خلال كلمته في المؤتمر الثامن للبرلمان العربي ورؤساء المجالس والبرلمانات العربية المنعقد في القاهرة، إن المنطقة تواجه تحديات أمنية وسياسية متصاعدة، تستدعي تعزيز العمل العربي المشترك ودعم الجهود الرامية إلى حفظ الأمن والاستقرار.
وشدد على رفض العراق جميع الاعتداءات والانتهاكات التي تمس سيادة الدول العربية وتهدد أمنها واستقرارها.
وأكد الحلبوسي أهمية مواصلة الجهود الإقليمية والدولية الرامية إلى تثبيت الاستقرار وتهيئة الظروف اللازمة للتوصل إلى سلام شامل يحقق الأمن لشعوب المنطقة.