العراق وسوريا.. من التنسيق الأمني إلى بناء شراكة شاملة (خاص)
محطة جديدة شهدتها العلاقات العراقية السورية مع وصول وزير الخارجية العراقي فؤاد حسين إلى دمشق في أول زيارة له منذ الإطاحة بنظام الرئيس السوري السابق بشار الأسد.
زيارة حملت، وفق سياسيين عراقيين في حديث لـ«العين الإخبارية»، مؤشرات على انتقال العلاقة بين البلدين من التركيز على التنسيق الأمني إلى بناء شراكة سياسية واقتصادية وتجارية أوسع.
وتوقعوا أن تشهد المرحلة المقبلة الإعلان عن المزيد من مجالات التعاون، مؤكدين أن تعزيز العلاقات العراقية السورية في ظل الظروف الإقليمية الحالية يمثل خطوة إيجابية للبلدين على المستويين العربي والإقليمي.

ووصل حسين إلى دمشق تلبية لدعوة من وزير الخارجية والمغتربين السوري أسعد الشيباني، حيث عقد سلسلة لقاءات مع كبار المسؤولين السوريين، كان أبرزها اجتماعه بالرئيس السوري أحمد الشرع، لبحث سبل تعزيز العلاقات الثنائية، وتطوير التعاون في المجالات السياسية والأمنية والاقتصادية والتجارية، إلى جانب مناقشة مستجدات الأوضاع الإقليمية والدولية وتعزيز التنسيق المشترك إزاء التحديات التي تواجه البلدين.
وفي 10 يونيو/حزيران، بعث رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي رسالة إلى الرئيس السوري أحمد الشرع، شدد فيها على أهمية تعزيز العلاقات الثنائية وتوسيع التعاون الأمني والاقتصادي.
وتأتي هذه الزيارة بالتزامن مع إعادة فتح عدد من المعابر الحدودية بين البلدين تدريجياً، في إطار مسار جديد للتعاون عقب التغيير السياسي الذي شهدته سوريا بسقوط نظام بشار الأسد في ديسمبر/كانون الأول 2024.
استقرار سوريا مصلحة استراتيجية للعراق
ويرى القيادي في "تيار الحكمة الوطني"، فهد الجبوري، أن الزيارة جاءت نتيجة مسار سياسي سبق الإعداد له داخل الإطار التنسيقي، موضحاً أن هذا الملف طُرح خلال عدة اجتماعات سبقت الزيارة، حيث جرى الاتفاق على ضرورة الانتقال بالعلاقة مع دمشق من إطارها الأمني التقليدي إلى شراكة أوسع تشمل مختلف القطاعات.
وقال الجبوري، في حديث لـ"العين الإخبارية"، إن الرؤية العراقية الجديدة تنطلق من أن الأمن القومي العراقي يرتبط بصورة مباشرة بالأمن القومي السوري، كما أن استقرار سوريا يمثل مصلحة استراتيجية للعراق، الأمر الذي يجعل البلدين أمام مشتركات تتجاوز الملفات الأمنية إلى التعاون الاقتصادي والتجاري والسياسي والاجتماعي والثقافي.
وأوضح أن العراق وسوريا مرا خلال السنوات الماضية بأزمات أمنية وسياسية كبيرة، إلا أن الظروف الحالية تتيح الانتقال إلى مرحلة جديدة من العلاقات تقوم على المصالح المشتركة، مشيراً إلى وجود توجه حكومي وسياسي عراقي واضح لتعزيز هذا المسار وعدم الاكتفاء بالتنسيق الأمني أو الاستخباري.
وجاءت الزياة أيضاً "بعد رسالة بعثها رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي إلى الرئيس السوري أحمد الشرع، باعتبارها خطوة مكملة لمسار بناء العلاقات الثنائية على أساس احترام سيادة البلدين وتحقيق المصالح العليا المشتركة"، وفق الجبوري.
التعاون لا يقتصر على الملفات الأمنية
ولا يقتصر جدول التعاون على الملفات الأمنية أو عمل الأجهزة المختصة، وفق الجبوري، وإنما يمتد إلى ملفات اقتصادية استراتيجية، من أبرزها مشروع أنبوب تصدير النفط العراقي عبر الأراضي السورية وصولاً إلى ميناء بانياس، وهو المشروع الذي يمنح العراق منفذاً إضافياً لتصدير الطاقة ويسهم في تنويع منافذه التصديرية.
وتوقع أن تشهد المرحلة المقبلة الإعلان عن المزيد من مجالات التعاون، مؤكداً أن تعزيز العلاقات العراقية السورية في ظل الظروف الإقليمية الحالية يمثل خطوة إيجابية للبلدين على المستويين العربي والإقليمي، وأن هذا التوجه حظي، بحسب قوله، بردود فعل إيجابية من مختلف القوى السياسية العراقية.
تحول في العلاقات بين دمشق وبغداد
من جانبه، يرى الكاتب والمحلل السياسي نزار حيدر أن الزيارة تمثل تحولاً في مستوى العلاقات الرسمية بين بغداد ودمشق، لافتاً إلى أن العراق كان من أوائل الدول التي بادرت إلى مد جسور التواصل مع الإدارة السورية الجديدة عقب سقوط النظام السابق، إلا أن هذا التواصل اقتصر في مرحلته الأولى على القنوات الأمنية.
وأوضح حيدر في حديثه لـ"العين الإخبارية"، أن رئيس الوزراء العراقي السابق اختار في تلك المرحلة رئيس جهاز المخابرات مبعوثاً إلى دمشق، لأن الأولوية العراقية آنذاك كانت تتمثل في الملفات الأمنية، وفي مقدمتها متابعة معسكرات ومعتقلات عناصر التنظيمات الإرهابية، وتبادل المعلومات الاستخبارية مع الجانب السوري، بما يضمن حماية الحدود العراقية ومنع أي تهديدات محتملة.
انتقال العلاقات من القنوات الأمنية إلى الدبلوماسية
وأضاف أن بغداد كانت تنظر إلى الملف السوري من زاوية الأمن الوطني، انطلاقاً من التجربة السابقة مع تنظيم داعش الإرهابي، الذي انطلق من الأراضي السورية قبل أن يتمدد داخل العراق، ثم جرى القضاء عليه في البلدين، وهو ما رسخ قناعة لدى صناع القرار بأن أمن العراق وأمن سوريا يشكلان منظومة واحدة لا يمكن الفصل بينهما.
وأشار إلى أن المرحلة الحالية تشهد انتقال العلاقات من القنوات الأمنية إلى التمثيل الدبلوماسي المباشر عبر وزارة الخارجية، معتبراً أن هذا التطور يعكس رغبة عراقية في تأسيس علاقة مؤسساتية شاملة مع دمشق تتجاوز الاعتبارات الأمنية.
وتأتي الزيارة أيضاً في ظل متغيرات إقليمية ودولية، من بينها تعيين المبعوث الأمريكي توم باراك مسؤولاً عن الملفين العراقي والسوري، إلى جانب منصبه سفيراً لواشنطن لدى تركيا، وهو ما اعتبره حيدر مؤشراً على أن الإدارة الأمريكية باتت تتعامل مع العراق وسوريا بوصفهما ملفاً مترابطاً.
وأوضح أن زيارة وزير الخارجية العراقي تكتسب أهمية إضافية لكونها تسبق اجتماعاً مرتقباً في واشنطن خلال شهر يوليو/تموز، من المتوقع أن يضم الولايات المتحدة والعراق وسوريا وتركيا وقطر، معتبراً أن هذا الاجتماع قد يؤسس لمرحلة جديدة من الشراكات الإقليمية في مجالات الأمن والطاقة والتنسيق الاقتصادي.
وتصدرت الزيارة وسائل إعلام البلدين التي أكدت أنها تمثل بداية مرحلة جديدة في العلاقات العراقية السورية، قوامها الانتقال من إدارة الملفات الأمنية إلى بناء شراكة شاملة تشمل الاقتصاد والطاقة والتجارة والدبلوماسية، مع استمرار التنسيق الأمني باعتباره أحد مرتكزات العلاقة، وليس إطارها الوحيد، في ظل التحولات المتسارعة التي تشهدها المنطقة.