6.4 مليار دولار لإنقاذ المحيطات.. العالم يراهن على الاقتصاد الأزرق
بين تعهدات بمليارات الدولارات وتحذيرات من تدهور الثروة البحرية، تتجه الأنظار إلى مستقبل المحيطات باعتبارها خط الدفاع الأول في مواجهة تغير المناخ وضمان استدامة الاقتصاد الأزرق عالميا.
انعقد مؤتمر "محيطنا 2026" خلال الفترة من 16 إلى 18 يونيو/حزيران الماضي تحت شعار "محيطنا.. تراثنا.. مستقبلنا"، في سابقة تعد الأولى من نوعها باستضافة أفريقيا لهذا الحدث العالمي.
وتزامن انعقاد المؤتمر مع اختتام أعمال اجتماعات بون للمناخ 2026، التي أولت اهتمامًا لافتا بملف المحيطات، تأكيدًا لأهمية دمجها في العمل المناخي، خاصة أنها من أكثر النظم البيئية تأثرًا بتداعيات التغير المناخي.
وأسفر مؤتمر "محيطنا" عن إطلاق مجموعة واسعة من المبادرات والتعهدات الهادفة إلى حماية المحيطات وتعزيز الاقتصاد الأزرق.
وفي هذا السياق، قال الباحث المتخصص في حماية غابات المانغروف وترميمها، ليفيس سيريكوا، لـ"العين الإخبارية": "نجح مؤتمر (محيطنا) في جمع طيف واسع من الجهات المعنية بالاقتصاد الأزرق، ومهّد الطريق لتدفق كبير لرؤوس الأموال".
حشد تمويلي ضخم
وأضاف سيريكوا، الذي شارك في مؤتمر "محيطنا 2026": "حقق المؤتمر حشدًا ماليًا كبيرًا، إذ جرى الإعلان عن أكثر من 300 التزام جديد بقيمة تتجاوز 6 مليارات دولار أمريكي".
وأوضح أن مبادرات الاقتصاد الأزرق المستدام، ومصايد الأسماك المستدامة، وبرامج المناخ والمحيطات استحوذت على النصيب الأكبر من هذه التمويلات، مشيرًا إلى أن المناقشات أكدت ضرورة تبني نهج متكامل يربط بين هذه الملفات خلال المرحلة المقبلة.
وتجدر الإشارة إلى أنه خلال مؤتمر "محيطنا 2026" أعلنت أكثر من 100 حكومة وشركة ومنظمة مجتمع مدني عن نحو 320 التزامًا ماليًا بقيمة إجمالية بلغت 6.4 مليار دولار، لدعم حماية المحيطات وتعزيز الاقتصاد الأزرق.
وشملت أبرز التعهدات تخصيص كينيا 200 مليون دولار لتطبيق أنظمة مراقبة سفن الصيد الصناعية داخل مياهها، بينما أعلن البنك الدولي استثمارات بقيمة مليار دولار لدعم الاقتصادات الزرقاء المستدامة في الدول النامية خلال العامين المقبلين. كما تعهدت كندا بتقديم 682 مليون دولار لتطوير الموانئ الصغيرة ودعم المجتمعات الساحلية.
إعلان مومباسا
تُقدَّر خسائر الصيد الجائر وغير القانوني وغير المنظم بما يصل إلى 50 مليار دولار سنويًا.
واعتمدت 15 دولة ما يُعرف بـ"إعلان مومباسا"، وهي: الكاميرون، وتشيلي، وبلجيكا، وجمهورية الدومينيكان، وفرنسا، وغامبيا، وغانا، وغينيا، وليبيريا، وبنما، وبابوا غينيا الجديدة، وبيرو، وجمهورية الكونغو، وكوريا الجنوبية، والصومال.
ويهدف الإعلان إلى تعزيز مكافحة الصيد غير القانوني وغير المُبلّغ عنه وغير المنظم، عبر رفع مستوى الشفافية في قطاع الصيد، وإتاحة بيانات أوضح عن السفن، وتحسين تبادل المعلومات بين الدول لتتبع أنشطة الصيد ورصد المخالفات بصورة أكثر فاعلية، إلى جانب دعم الميثاق العالمي لشفافية مصايد الأسماك.
أعالي البحار
شهد مؤتمر "محيطنا 2026" أيضًا دعوات متزايدة لتسريع تنفيذ معاهدة أعالي البحار (BBNJ)، التي دخلت حيز التنفيذ مطلع العام الجاري، بهدف توسيع نطاق المناطق البحرية المحمية وتحقيق الهدف العالمي بحماية 30% من المحيطات بحلول عام 2030.
وأكد وزير الخارجية الأمريكي الأسبق جون كيري أن نحو 10% من المحيطات أصبحت مشمولة بالحماية، إلا أن 3% فقط تتمتع بحماية قوية وفعالة، محذرًا من استمرار استنزاف المحيطات بواسطة أساطيل الصيد الصناعية، وداعيًا الدول التي لم تصادق على المعاهدة إلى الإسراع في ذلك.
من جانبه، شدد وزير الشؤون البحرية الكيني حسن جوهو على ضرورة الانتقال من مرحلة التعهدات إلى تنفيذ نتائج ملموسة تعود بالنفع على المجتمعات الساحلية والاقتصادات الوطنية والبيئة البحرية.
ماذا عن التحديات؟
ورغم حجم التعهدات والطموحات التي خرج بها المؤتمر، فإن تحديات التنفيذ ما زالت قائمة.
ويقول ليفيس سيريكوا لـ"العين الإخبارية" إن أبرز هذه التحديات يتمثل في ضعف التنسيق والتنفيذ، موضحًا أن كثيرًا من التعهدات الدولية والوطنية تبقى حبرًا على ورق نتيجة غياب القدرات المؤسسية الكافية، وعدم وجود آليات واضحة لتحويل الالتزامات إلى برامج عملية تصل إلى المستوى المحلي.
وأضاف أن ضعف الإنفاذ يمثل تحديًا آخر، إذ تمتلك العديد من المناطق البحرية المحمية سياسات وخططًا جيدة على الورق، لكنها تفتقر إلى التمويل اللازم لتنفيذها، وهو ما يؤدي إلى ظهور ما يُعرف بـ"المناطق البحرية المحمية على الورق"، دون أثر حقيقي على أرض الواقع.
وأشار كذلك إلى أن المجتمعات المحلية، التي تمثل خط الدفاع الأول عن النظم البيئية البحرية، تواجه ضغوطًا اقتصادية متزايدة تعرقل جهود الحماية، مؤكدًا أهمية التعامل مع النظم البيئية البحرية باعتبارها أصولًا اقتصادية، وليس مجرد موارد قابلة للاستغلال.
كما لفت إلى فجوة البيانات، موضحًا أن كثيرًا من الدراسات والأبحاث العلمية لا تجد طريقها إلى التطبيق العملي وصنع القرار، رغم أهميتها في توجيه السياسات البيئية.
واختتم سيريكوا حديثه قائلًا: "رغم تركيز المؤتمر على ابتكار حلول جديدة، فإن الأولوية في المرحلة المقبلة يجب أن تكون لتوسيع نطاق الحلول الناجحة والمثبتة بالفعل، بدلًا من إعادة ابتكار المناهج من الصفر في كل مرة".