شتاء لبنان يعود بقوة.. منخفض جوي «عالي الفعالية» يطرق الأبواب
بعد فترة من الاستقرار الجوي النسبي ودرجات الحرارة التي سجلت معدلات أعلى من مستوياتها الموسمية،يستعد لبنان لاستقبال تحول جذري في الحالة الجوية.
تشير آخر خرائط الطقس ونماذج التنبؤات العددية إلى اقتراب منخفض جوي يتمركز حالياً فوق حوض البحر الأبيض المتوسط، ومن المتوقع أن يبدأ تأثيره الفعلي على الأراضي اللبنانية خلال الساعات القليلة القادمة، حاملاً معه أمطاراً غزيرة، رياحاً قوية، وانخفاضاً حاداً في درجات الحرارة.
تؤكد مصلحة الأرصاد الجوية أن المنخفض الجوي القادم يتميز ببرودة كتله الهوائية ورطوبتها العالية، نتيجة تدفق رياح قطبية المنشأ عبر أوروبا الشرقية باتجاه المنطقة العربية. هذا التلاقي بين الرياح الباردة ومياه المتوسط الدافئة سيؤدي إلى حالة من عدم الاستقرار الجوي الشديد، مما يمهد لتشكل سحب ركامية عملاقة قادرة على إنتاج كميات كبيرة من المتساقطات في وقت قياسي.
ووفقاً للبيانات المتاحة، فإن التأثير سيبدأ بشكل تدريجي من المناطق الشمالية والساحلية، ليمتد سريعاً ليشمل كافة المناطق اللبنانية من أقصى الشمال إلى الجنوب، وصولاً إلى سهل البقاع والسلسلتين الشرقية والغربية.

التفاصيل اليومية لمنخفض لبنان
المرحلة الأولى: طلائع المنخفض والرياح النشطة
تبدأ الأجواء بالتلبد بالغيوم تدريجياً، مع نشاط ملحوظ في سرعة الرياح التي قد تتجاوز سرعتها في بعض المناطق، خاصة الجبلية والمكشوفة، حاجز الـ 70 كيلومتراً في الساعة. هذا النشاط الرياحي سيؤدي إلى ارتفاع موج البحر بشكل ملحوظ، مما يطرح تحذيرات جدية للصيادين وأصحاب المراكب السياحية بضرورة توخي الحذر الشديد أو تعليق الأنشطة البحرية.
المرحلة الثانية: ذروة الأمطار والسيول
مع تعمق المنخفض في الداخل اللبناني، من المتوقع أن تشهد البلاد هطولات مطرية غزيرة جداً، تترافق مع عواصف رعدية قوية وتساقط لحبات البرد بأحجام متفاوتة. تحذر التقارير من تشكل السيول الجارفة في المناطق المنخفضة والأودية، خاصة في المناطق التي تعاني من انسداد في قنوات تصريف المياه أو تلك التي شهدت حرائق غابات سابقاً، حيث تزداد احتمالية الانجرافات التربية.
ستكون العاصمة بيروت والمدن الساحلية مثل طرابلس وصيدا تحت مجهر الرصد، حيث من المتوقع أن تشهد شوارعها ضغطاً كبيراً بسبب غزارة الأمطار التي قد تفوق قدرة البنية التحتية الاستيعابية في بعض الأحيان.
المرحلة الثالثة: الثلوج تكسو المرتفعات
الخبر الأبرز في هذا المنخفض هو الانخفاض الحاد في درجات الحرارة، مما سيحول الهطولات المطرية إلى ثلوج على المرتفعات الجبلية. تشير التوقعات إلى أن الثلوج ستبدأ بالتساقط على ارتفاع 1800 متر، لتتدنى تدريجياً مع تعمق الكتلة الباردة لتلامس الـ 1400 متر وربما أقل في مناطق معينة من البقاع والشمال خلال ذروة المنخفض ليلاً. هذا التطور سيؤدي إلى إغلاق بعض الطرقات الجبلية الحيوية، مما يستدعي جهوزية كاملة لآليات وزارة الأشغال والبلديات.

تأثيرات منخفض لبنان على القطاعات المختلفة
1. القطاع الزراعي:
يمثل هذا المنخفض "سيفاً ذو حدين" للمزارعين. فبينما تروي الأمطار الغزيرة الأراضي العطشى وتعزز المخزون الجوفي للمياه، فإن الرياح القوية والبرد قد يلحقان أضراراً بالغة بالبيوت البلاستيكية وبساتين الحمضيات والموز في المناطق الساحلية. وينصح الخبراء المزارعين بضرورة تدعيم الخيام الزراعية وتأمين تصريف جيد للمياه لتجنب غرق المحاصيل.
2. قطاع الطاقة والاتصالات:
غالباً ما تترافق العواصف الرعدية والرياح القوية مع انقطاعات في التيار الكهربائي نتيجة تضرر الكابلات أو سقوط الأشجار على خطوط التوتر. كما قد تتأثر شبكات الاتصالات والإنترنت بشكل مؤقت في المناطق الجبلية الوعرة.
3. حركة السير والنقل:
تشكل الرؤية المنخفضة بسبب الضباب الكثيف المرافق للمنخفض خطراً داهماً على السائقين، خاصة على الطرقات الدولية مثل طريق (ضهر البيدر) وطريق (ترشيش - زحلة). قوى الأمن الداخلي والدفاع المدني بدؤوا بالفعل بإصدار توصيات للمواطنين بضرورة القيادة بحذر شديد وتجنب السرعة، والتأكد من سلامة المكابح والأنوار وماسحات الزجاج.
نصائح السلامة العامة للمواطنين
- أمام هذه الحالة الجوية المرتقبة، تضع السلطات اللبنانية وهيئات المجتمع المدني مجموعة من الإرشادات الأساسية:
- تجنب الركن تحت الأشجار: أو اللوحات الإعلانية الضخمة التي قد تتأثر بالرياح الشديدة.
- تثبيت الأجسام المتطايرة: على الشرفات وأسطح المباني لمنع سقوطها على المارة.
- التزود بالمؤن والتدفئة: خاصة لسكان المناطق الجبلية الذين قد يواجهون عزلة مؤقتة بسبب الثلوج.
- الحذر من الصواعق: الابتعاد عن الأماكن المرتفعة واستخدام الأجهزة الإلكترونية بحذر أثناء العواصف الرعدية الشديدة.
- متابعة النشرات الجوية: البقاء على اطلاع دائم بآخر التحديثات الصادرة عن مصلحة الأرصاد الجوية الرسمية وتجنب الشائعات التي تضخم الحالة الجوية بشكل غير علمي.
على المدى البعيد، يعتبر هذا المنخفض حيوياً جداً للبنان الذي يعاني من أزمات مائية متكررة. فذوبان الثلوج لاحقاً هو المصدر الأساسي لتغذية الينابيع والأنهار مثل الليطاني والعاصي. كما أن هذه المتساقطات تساهم في غسل التربة وتنقية الجو من الملوثات والغبار التي تراكمت خلال الأسابيع الماضية.
يدخل لبنان خلال الساعات القادمة في اختبار جديد مع الطبيعة. ورغم أن المنخفضات الجوية هي جزء طبيعي من دورة المناخ في بلاد الأرز، إلا أن الظروف الاقتصادية الصعبة التي تمر بها البلاد تجعل من مواجهة هذه العواصف تحدياً مضاعفاً للمواطن وللدولة على حد سواء. تبقى العين على غرف العمليات في الدفاع المدني والصليب الأحمر اللبناني، الذين يرفعون جهوزيتهم إلى الدرجة القصوى للتعامل مع أي طارئ قد ينتج عن "زائر الشتاء" الثقيل.
لبنان، بساحله وجبله، يترقب وقع قطرات المطر وندف الثلج، آملاً أن تحمل هذه العاصفة الخير والبركة دون مخلفات مؤلمة، في انتظار انحسار المنخفض المتوقع مع مطلع الأسبوع المقبل حيث تعود درجات الحرارة للارتفاع التدريجي.