سياسة

أسواق "العبيد".. حمم العصور الوسطى تهز ليبيا

الجمعة 2017.11.24 12:25 مساء بتوقيت أبوظبي
  • 986قراءة
  • 0 تعليق
مهاجرون أفارقة- رويترز

مهاجرون أفارقة- رويترز

تسع أسواق "للعبيد" في ليبيا، وقد يكون الرقم أكبر من ذلك بكثير، تعيد البشرية إلى ممارسات القرون الوسطى وإلى تجارة الرق التي صادقت جل دول العالم على اتفاقية حظرها.

فمن صبراتة إلى زوارة مرورا بغدامس غربي البلاد، وصولا إلى سبها جنوبها، تنتشر أسواق يُعرض فيها مهاجرون للبيع في مزاد علني، وفق تقارير إعلامية، مستفيدة من حالة الفراغ الأمني الناجم عن الأزمة التي أعقبت سقوط نظام الرئيس الراحل معمر القذافي عام 2011.

جحيم مراكز احتجاز المهاجرين

الحكاية بدأت بقصص مألوفة لدى جميع سكان بلدان شمال إفريقيا الواقعة على الضفة الجنوبية للمتوسط، ما يجعلها معبرا للشباب الحالم بالوصول إلى أوروبا.

غير أن إحكام خفر السواحل على المعابر البحرية بالمنطقة، جعل أنظار المهاجرين غير الشرعيين تتوجه نحو ليبيا، هذا البلد الغارق منذ 2011 في أزمة أمنية أفرزت صراعا على السلطة.

وبوصول المهاجرين غير الشرعيين إلى ليبيا، يجدون أنفسهم تحت رحمة شبكات التهريب التي غالبا ما تطلب منهم مبالغ خيالية لإدراجهم ضمن رحلات قواربها السرية نحو جزيرة "لامبيدوسا" الإيطالية، أو جزيرة "لامبادوزة" كما يصطلح على تسميتها في دول شمال إفريقيا.

لكن أحلامهم سرعان ما تتبخر بفشلهم في اجتياز البلد الغارق في الفوضى، ليجدوا أنفسهم في مراكز لاحتجاز المهاجرين غير الشرعيين.

وهناك، يواجهون جحيما مستعرا فيه شتى أنواع التعذيب والاغتصاب الجماعي والابتزار، قبل طلب فدية من أسرهم، ثم عرضهم للبيع في مزاد علني.


قصص أغرب من الخيال، تسربت بعض تفاصيلها منذ أشهر، وسط تكتّم ونفي من قبل السلطات المحلية.

وفي 14 نوفمبر/ تشرين ثان الجاري، قال المفوض السامي للأمم المتحدة لحقوق الإنسان، زيد بن رعد الحسين، إن "المجتمع الدولي لا يستطيع مواصلة غض البصر عن الأوضاع المرعبة، التي لا يمكن تخيلها ويعاني منها المهاجرون في ليبيا، وأن يتظاهر بأنه يمكن معالجتها عن طريق تحسين الأحوال في مراكز الاحتجاز فحسب".

واستنكر المفوض السامي التعاون القائم بين الاتحاد الأوروبي والسلطات الأوروبية حول مسألة الهجرة، مضيفا أن "سياسة الاتحاد الأوروبي لمساعدة خفر السواحل الليبية على رصد المهاجرين وطردهم، غير إنسانية".

وتأتي تصريحات المفوض عقب زيارة أجراها حقوقيون تابعون للأمم المتحدة، أوائل الشهر الجاري، لـ4 من مراكز احتجاز المهاجرين بالعاصمة الليبية طرابلس.

 وشاهد الحقوقيون آلاف المهاجرين البالغين والأطفال الذين يعانون من الهزال والصدمات النفسية والإصابات، والذين تجمعوا بعضهم فوق بعض في مساحة لا تكفي ثلثهم.

كما تأتي التصريحات أيضا غداة قرار مجموعة الاتصال المعنية بطريق الهجرة في وسط البحر المتوسط (تضم 13 بلدا أوروبيا وإفريقيا بينها ليبيا)، تحسين ظروف المهاجرين بمراكز الاحتجاز، مع طرح بدائل لهذا الحل المثير للجدل.

ووفق أرقام رسمية ليبية، فإن نحو 19 ألفا و900 شخص محتجزون لديها إلى حدود مطلع هذا الشهر، مقابل 7 آلاف منتصف سبتمبر/ أيلول الماضي.

المهاجرون في مزاد علني

شهادات صادمة تضمنتها تقارير إعلامية، أكّدت الأقاويل الشائعة مؤخرا حول انتشار ظاهرة الاتجار بالبشر في ليبيا، رغم نفي السلطات ذلك.

وكانت المنظمة الدولية للهجرة نبهت السلطات الليبية في أبريل/ نيسان الماضي، إلى وجود أسواق لبيع وشراء المهاجرين الأفارقة في مدينة سبها جنوبي البلاد، من أجل "استغلالهم جنسيا".

 إلا أن السلطات المحلية نفت صحة هذه المعلومات، واعتبرت أن هذه الادعاءات غير بريئة، وتهدف المنظمات الدولية من ورائها إلى شرعنة مكان لتوطين آلاف اللاجئين بهذه المنطقة.

غير أن شبكة "سي إن إن" بثت مطلع الأسبوع الماضي، تقريرا مصوّرا، اطلعت عليه بوابة العين الإخبارية، أظهر وجود أسواق لبيع وشراء المهاجرين غير الشرعيين، ممن فشلوا في العبور إلى أوروبا، من أجل استخدامهم عمالا ومزارعين، أو لاستغلالهم.

التقرير كشف أن العملية تجري في شكل "مزاد علني مهين" يحيل على تجارة الرق في العصور الوسطى، كما نشرت الشبكة خارطة أظهرت وجود 9 أسواق للعبيد في عدد من المدن الليبية، بينها صبراتة وزوارة وغدامس وسبها.

والثلاثاء الماضي، نشرت صحيفة "لوموند" الفرنسية شهادات لمهاجرين غير شرعيين كاميرونيين، تضمنت تفاصيل عما تعرض له هؤلاء المهاجرون من استغلال جنسي وفظاعات البيع والشراء.

نحو 250 مهاجرا كانوا عالقين بمراكز الاحتجاز في ليبيا، عادوا على متن طائرة استأجرتها الأمم المتحدة، إلى بلدهم الكاميرون، ليرووا معاناة "يقشعر لها الأبدان" كما تقول الصحيفة.

"رايسا"، إحدى العائدات من ليبيا، قالت: "تعرّضت لجميع أنواع التعذيب والاغتصاب بين الوحوش الليبيين، أردت الوصول إلى إيطاليا لكن وقعت في أكثر الفخاخ فظاعة، ففي ليبيا تم عرضنا للبيع واغتصابنا".

قصة رايسا لا تختلف في مجملها عما شهده جميع رفاقها الحالمين بالعبور إلى أوروبا عبر ليبيا؛ ففي البداية، تم احتجازها مع أكثر من 300 مهاجر، قبل أن تتعرض للضرب والتعذيب والاغتصاب الجماعي من قبل السجّانين.

وبانتهاء تلك المرحلة، يخبرونها بأن حريتها مرهونة بتقديم فدية، ثم يحددون لها المبلغ المطلوب، ويقدمون لها هاتفا جوالا ويطلبون منها الاتصال بعائلتها.

اضطر والدها لبيع دراجته النارية لتأمين نحو 500 ألف فرنك إفريقي (ما يعادل نحو 760 يورو) قبل تحريرها، غير أن "الجندي المكلّف بإيصالها إلى مكان آمن"، كما تقول، قام ببيعها مساء اليوم نفسه إلى مجموعة أخرى من تجار البشر، قامت بدورها بنقلها إلى صبراتة، ليطالبوا، عائلتها من جديد بفدية بقيمة ألف يورو.

إنكار محلي واستنكار دولي

رغم تواتر التقارير الإعلامية الموثقة بفيديوهات تكشف وجود أسواق العبيد في ليبيا، إلا أن السلطات الليبية ما زالت مصرة على التشكيك في جميع ما يتم تداوله.

نائب رئيس حكومة الوفاق، أحمد معيتيق، أعرب في بيان نشر الأحد الماضي، على صفحة الحكومة عبر موقع "فيسبوك" عن "استيائه من التقارير التي نشرتها وسائل الإعلام حول انتعاش تجارة الرقيق في ضواحي مدينة طرابلس". 

وأضاف أنه "بصدد تكليف لجان مختصة للتحقيق في التقارير المنشورة لضبط المتهمين وتقديمهم للعدالة".


 من جانبه، وصف المستشار الإعلامي بجهاز مكافحة الهجرة غير الشرعية التابع لحكومة الوفاق، ميلاد الساعدي، جميع ما أثير حول الموضوع بـ"الادعاءات والافتراءات".

الساعدي اعتبر في تصريحات إعلامية أنّ "المهاجرين غير الشرعيين في ليبيا ارتكبوا، بنظر القانون، مخالفة بوجودهم على الأراضي الليبية دون وجه حق ودون الدخول بطرق شرعية".

وبالنسبة له، فإنه "لولا وجود هؤلاء المهاجرين على أراضي ليبيا لما كانت هناك فرصة للمهربين والسماسرة ولما كانت هناك متاجرة أصلا".

أما دوليا، فقد فجّر التقرير غضبا واستياء عارمين، تجسدا من خلال وقفة احتجاجية انتظمت السبت الماضي، في باريس، للتنديد بما يتعرض له المهاجرون في ليبيا.

وشارك في المظاهرة نحو ألف شخص، بينهم شخصيات معروفة مثل لاعب كرة القدم الدولي، الإيفواري ديدييه دروجبا، وملكة جمال فرنسا السابقة صونيا رولان.

من جانبه، ندد الرئيس الدوري للاتحاد الإفريقي، الرئيس الغيني ألفا كوندي، بـ"بيع" المهاجرين الذين يتم استعبادهم في ليبيا.

بدورها، نددت الحكومة السنغالية بما يحصل، وطلب الرئيس النيجري محمدو يوسوفو إدراج الموضوع على جدول أعمال قمة الاتحاد الإفريقي المقررة، الأسبوع المقبل، في أبيدجان الإيفوارية.

من جهته، وصف الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، "بيع" المهاجرين في ليبيا بـ"الجريمة ضد الإنسانية".

ووفق أحدث أرقام المنظمة الدولية للهجرة، فإن نحو 157 ألف مهاجر ولاجئ وصلوا القارة الأوروبية بحرا، معظمهم قادمون من ليبيا، وذلك منذ مطلع العام الجاري، مقابل 341 ألف في الفترة نفسها من عام 2016.

وخلال العبور، لقي 3 آلاف شخص حتفهم.

تعليقات