في خضم التحركات الدبلوماسية المتسارعة لاحتواء تداعيات الحرب، تعود مفاوضات الوساطة، ومنها المسار بقيادة باكستان، لتطرح سؤالًا جوهريًا: هل يمكن فعلاً إنتاج تسوية مستدامة دون إشراك جميع عواصم الخليج المعنية مباشرة بالأزمة؟ الجواب ببساطة وواقعية سياسية: لا.
إن أي مقاربة تفاوضية تتجاوز دول الخليج العربي، أو تنتقي بعضها دون الآخر، إنما تتعامل مع أعراض الأزمة لا مع جذورها. فهذه الدول هي في صلب المعادلة الأمنية والاقتصادية والاستراتيجية للمنطقة. أمن الطاقة، وسلامة الممرات البحرية، واستقرار الأسواق، وحماية المجتمعات، كلها ملفات ترتبط ارتباطًا مباشرًا بدول الخليج، التي تجد نفسها في الخطوط الأمامية لأي تصعيد.
إن مفاوضات تُدار دون تنسيق حقيقي مع جميعها، تفتقر إلى عنصر أساسي من عناصر النجاح: الشرعية الإقليمية. فالاتفاقات التي لا تعكس مواقف ومصالح الدول الأكثر تأثرًا، لن تكون سوى ترتيبات مؤقتة، سرعان ما تتآكل أمام أول اختبار ميداني. بل إن عدم إشراك جميع هذه الدول قد يفتح الباب أمام فجوات أمنية وسياسية تعيد إنتاج الأزمة بأشكال أكثر تعقيدًا.
لقد أثبتت التجارب السابقة أن استقرار الخليج العربي لا يمكن أن يُصاغ في غرف مغلقة بعيدة عن عواصمه. من أمن الملاحة في مضيق هرمز، إلى حماية البنية التحتية الحيوية، وصولًا إلى ضمان تدفق الطاقة إلى الأسواق العالمية، كلها ملفات لا يمكن حسمها دون حضور فاعل ومباشر للدول الخليجية، التي تمتلك من الخبرة والقدرة والشرعية ما يؤهلها لأن تكون شريكًا رئيسيًا لا يمكن تجاوزه.
وفي هذا السياق، تبدو بعض المبادرات، رغم نواياها المعلنة، وكأنها تعيد إنتاج نماذج تفاوضية تقليدية لم تعد صالحة لواقع إقليمي أكثر تعقيدًا وتشابكًا. فالتوازنات تغيّرت، والأدوار تعزّزت، ولم يعد مقبولًا أن تُختزل المنطقة في مقاربات ثنائية أو ثلاثية تتجاهل بقية الفاعلين الأساسيين.
إن إشراك جميع العواصم الخليجية دون استثناء هو شرط موضوعي لنجاح أي مسار تفاوضي جاد. فهذه الدول ليست فقط طرفًا في المعادلة، بل هي الضامن الحقيقي لأي مخرجات قابلة للحياة. ومن دون هذا الإشراك الشامل، ستبقى أي تفاهمات عرضة للقصور، غير قادرة على تلبية تطلعات شعوب المنطقة أو معالجة أسباب التوتر بشكل جذري.
الطريق إلى الاستقرار لا يمر عبر صفقات جزئية أو تفاهمات انتقائية، بل عبر مقاربة شاملة تعترف بجميع الأطراف وتمنحها دورها الطبيعي في صياغة مستقبل المنطقة. وأي محاولة لتجاوز هذه الحقيقة لن تؤدي إلا إلى إطالة أمد الأزمة.
الآراء والمعلومات الواردة في مقالات الرأي تعبر عن وجهة نظر الكاتب ولا تعكس توجّه الصحيفة