لم تكن الأحداث الأخيرة مجرد جولة تصعيد عابرة في جغرافيا المنطقة بل كانت منعطفاً استراتيجياً وضع جميع الفاعلين أمام واقع جديد.
لحظة كُسرت فيها قواعد الاشتباك وتغيّر بعدها تعريف التهديد في الخليج. إن انتقال إيران من المواجهة غير المباشرة إلى الهجوم الصاروخي العلني لم يكن مجرد فعل عسكري بل هو إعلان صريح عن تغيّر السلوك المعتاد مما يضعنا أمام واقع يتطلب قراءة تتجاوز إدارة الأزمة إلى إعادة تعريفها بالكامل.
نحن اليوم أمام لحظة غيّرت طبيعة التهديد في الخليج بشكل جذري. لم يعد الخطر يرتدي أقنعة الوكلاء بل كشف عن وجهه المباشر من خلال الصواريخ العابرة للحدود.
هذا التحول يفرض على العقل السياسي الخليجي الانتقال من إدارة الأزمات التي تهدف للتهدئة المؤقتة إلى إعادة تعريف التهديد ذاته فالعدوان المباشر ينهي حقبة حروب الوكالة ويضع المنطقة أمام اختبار الحفاظ على السيادة في مواجهة أي طموحات غير مشروعة.
لقد تعاملت دول الخليج مع هذا الانفلات بمستوى عالٍ من الحكمة الاستراتيجية. كان قرار منع اتساع رقعة الحرب خياراً سيادياً نابعاً من إدراك عميق للمسؤولية تجاه المكتسبات الوطنية. نجحت العواصم الخليجية في إدارة التصعيد دون الانجرار إلى مواجهة مفتوحة أرادتها أطراف أخرى لتكون ساحة لتصريف أزماتها وهذا الاحتواء لم يكن انكفاءً بل إدارة ذكية للصراع أجهضت أهداف الهجوم السياسية.
ومع ذلك لا يمكن إغفال حقيقة مقلقة تتمثل في ارتفاع مستوى الجرأة في السلوك الإيراني. ما قامت به طهران منحها فرصة لقياس نبض الرد حيث اختبرت جاهزية الدفاعات وسقف الإرادة السياسية.
المشكلة ليست فيما حدث بل في ما قد يُبنى عليه إن لم يُعد ضبط السلوك. فالطرف الذي يختبر ويجد أن الرد يقتصر على الدفاع قد يسعى لترسيخ معادلة جديدة تجعل من الهجوم المباشر أداة ابتزاز دائمة وهنا تصبح الحاجة ملحّة للانتقال من إدارة الحدث إلى منع تكراره.
في هذا السياق لم تأتِ بعض البيانات الخليجية وفي مقدمتها دولة الإمارات بصيغة ترحيب تقليدية بل بصيغة استيضاح وشروط وضعت النقاط على الحروف. هذا النموذج يعكس انتقالاً من القبول بالأمر الواقع إلى فرض شروط الاستقرار عبر المطالبة بتوضيح دقيق لبنود أي اتفاق وضمانات المرحلة القادمة وضمانات حقيقية لوقف العدوان بشكل كامل ومستدام وتحديد آلية واضحة وملزمة لإيقاف الحرب وكف يد التدخلات والمطالبة الصريحة بالتعويض عن الأضرار.
ولم يكن هذا الموقف تفصيلاً دبلوماسياً بل نموذجاً سيادياً في تحويل التهدئة من إعلان سياسي إلى التزام قابل للمساءلة في تأكيد واضح أن التهدئة لا يمكن قراءتها كحدث سلام بل كمرحلة يجب ضبطها بشروط تضمن عدم تكرار التهديد.
كما وضعت الأزمة فاعلية الحلفاء تحت مجهر الاختبار الحقيقي وأثبتت أن الأمن الحقيقي هو الذي تصنعه القدرات الذاتية. فقد أظهرت هذه اللحظة أن التحالفات لا تُقاس بالتصريحات بل بالفعل وقت الاختبار وهذا الأمر سيدفع دول الخليج و في مقدمتها الإمارات إلى إعادة ترتيب شراكاتها وانتقاء تحالفاتها لضمان عدم الارتهان لمواقف قد تتردد في لحظات الحسم. ومع انتقال التهديد إلى صيغته المباشرة أصبح لزاماً تطوير معادلة ردع تفهم من خلالها إيران أن الصمت الاستراتيجي هو خيار مقتدر وليس قدراً دائماً.
ختاماً يجب إدراك أن الصراع لم ينتهِ بل تغيّر شكله وأدواته. إن المرحلة القادمة ستكون صراعاً على فرض القواعد فإما أن تُفرض قاعدة الهجوم المباشر بلا ثمن أو تُفرض قاعدة الاستقرار المشروط بالردع والمساءلة. فالردع لا يُقاس بالقدرة على الدفاع فقط بل بقدرة الخصم على التردد قبل الهجوم. إن من يفرض القاعدة هو من سيحدد شكل الأمن القادم والرسالة اليوم واضحة أن السلام الذي لا تحميه قواعد واضحة ولا تفرضه كلفة على من يخرقه هو سلام لا يمكن الرهان عليه.
الآراء والمعلومات الواردة في مقالات الرأي تعبر عن وجهة نظر الكاتب ولا تعكس توجّه الصحيفة