الاستحواذات الهندية بالخارج.. تحوط اقتصادي وطموح عالمي
قال تقرير نشرته هيئة الإذاعة البريطانية «بي بي سي» إن الجيل الجديد من رجال الأعمال الهنود يميلون إلى امتلاك أصول خارجية.
وضرب التقرير مثالا بشركة "صن لصناعات الأدوية Sun Pharma" الهندية التي وافقت في أواخر أبريل/نيسان 2026، على دفع 11.75 مليار دولار للاستحواذ على شركة "أورجانون آند كو Organon & Co" المدرجة في بورصة نيويورك والمتخصصة في صحة المرأة والأدوية الحيوية المماثلة.
وقد مثّل ذلك أكبر عملية استحواذ خارجية لشركة هندية منذ ما يقرب من عقدين، وجاء بعد سلسلة من الصفقات الدولية البارزة التي نفذتها شركات هندية في الأشهر الأخيرة.
وتشمل هذه الصفقات استحواذ شركة "تاتا موتورز Tata Motors" على شركة تصنيع السيارات الإيطالية في تورينو "إيفيكو IVECO" مقابل 4.4 مليار دولار، واستحواذ شركة تكنولوجيا المعلومات "كوفورغ Coforge" على شركة الذكاء الاصطناعي في وادي السيليكون "إنكورا Incora" مقابل 2.35 مليار دولار، وقيام مجموعة "بجاج Bajaj" بشراء حصة 23% في شركة التأمين العالمية "أليانز إس إي Allianz SE" في وقت سابق من عام 2025.
استثمارات خارجية ضخمة
كما تُظهر بيانات شركة الاستشارات "جرانت ثورنتون" أن 162 شركة هندية أنفقت أكثر من 18 مليار دولار على عمليات الاستحواذ الخارجية في عام 2025، بزيادة قدرها 34% عن العام السابق.
ونقلت "بي بي سي" عن الشريك والمدير الوطني في شركة الاستشارات، سوميت أبرول، إن قيمة الصفقات قد تتجاوز 15 مليار دولار خلال النصف الأول من هذا العام.
وبالنسبة للكثيرين، تستحضر هذه الموجة الجديدة من الاستحواذات الخارجية التي تنفذها الشركات الهندية ذكريات موجة الشراء العالمية التي قادتها شركات مثل مجموعة تاتا قبل عقدين، عندما قامت برهانات جريئة على أصول عالمية كبرى مثل جاغوار ولاند روفر وكورس ستيل.
دوافع مختلفة
لكن محللين قالوا لـ"بي بي سي" إن الدوافع هذه المرة مختلفة إلى حد ما، إذ تسعى الشركات الهندية للاستحواذ على أصول غربية ليس فقط كرموز لطموح عالمي، بل بشكل متزايد لأسباب استراتيجية وتشغيلية.
كما أن السياق الاقتصادي العام في البلاد قد بشكل كبير منذ أوائل الألفينات. ففي موجة الاستحواذ السابقة، كانت الهند تشهد سوقًا صاعدة قوية، أما اليوم فتواجه البلاد خروجًا سريعًا للمستثمرين الأجانب في المحافظ المالية، وتباطؤًا حادًا في الاستثمار الأجنبي المباشر، وضعفًا مستمرًا في استثمار القطاع الخاص رغم التخفيضات الضريبية والدعم الحكومي للإنتاج.
وقال ف. أنانثا ناغيسواران، كبير المستشارين الاقتصاديين في الهند، في مؤتمر سياسات، إن أرباح الشركات الخمسمائة الكبرى بعد كوفيد نمت بنسبة 30.8% سنويًا، لكن معدلات تكوين رأس المال في القطاع الخاص كانت مخيبة للآمال.
ويرى خبراء أن التوسع الخارجي، رغم دعوات الحكومة للاستثمار داخل الهند، يعكس تزايد عدم الرضا عن بيئة الأعمال المحلية، إضافة إلى فرص أفضل للتنويع وبناء القدرات في الخارج.
وقال سوراب موخيرجيا من شركة "مارسيلوس لمديري الاستثمارات "إن الكثير من الأموال الهندية تتجه إلى الخارج، وإن بعض الشركات تنشئ مصانع جديدة في الولايات المتحدة حيث الأراضي الصناعية شبه مجانية وسهولة الحصول على رأس المال العامل أعلى. ولا يقتصر الأمر على الشركات الكبرى فقط، حيث قال موخيرجيا إن “العشرات من الشركات الهندية الأصغر تنفذ استثمارات مشابهة أو استحواذات أصغر”. وقالت نيها سينغ، الشريكة المؤسسة لشركة "تراكسن" إن الشركات الهندية تتجه بشكل متزايد إلى الخارج للوصول إلى الأسواق والعلامات التجارية والتكنولوجيا والبحث والتطوير وشبكات التوزيع.
كما أن هذه الاستحواذات تتسارع بسبب سعي الشركات إلى حماية سلاسل التوريد في عالم يتم فيه استخدام نقاط الاختناق والتعريفات الجمركية كسلاح. ويتوقع الخبراء استمرار هذا الاتجاه، خاصة مع اتفاقيات التجارة الحرة بين الهند ودول مثل بريطانيا وأوروبا وأستراليا، وهو ما قد يؤدي إلى طفرة في الصفقات الخارجية.
ويرى بعض الخبراء أن الجيل الجديد من رجال الأعمال الهنود الذين يعيشون ويدرسون في الخارج يميلون إلى امتلاك أصول خارجية، خصوصًا مع تراجع قيمة الروبية بنسبة 40% تقريبًا مقابل الدولار كل عقد.
وتظل الهند عالقة في دورة من ضعف الطلب وضعف الاستثمار الخاص، وهو ما تفاقم بسبب صدمات الطاقة العالمية ومخاطر الذكاء الاصطناعي على سوق العمل. وربما تستمر الشركات الهندية في مواصلة التحوط ضد عدم اليقين الاقتصادي المتزايد عبر التوسع خارج البلاد.