سياسة

إيران والعرب.. سلاح المذهب أخطر من السلاح النووي

الأربعاء 2018.1.10 11:05 صباحا بتوقيت أبوظبي
  • 1387قراءة
  • 0 تعليق
د.نصر محمد عارف

انشغل العرب كثيراً بالبرنامج النووي الإيراني، أو إن شئت فقل شغلهم نظام ولاية الفقيه بذلك؛ للتضليل والخداع وتمرير برنامج أكثر خطورة من السلاح النووي؛ الذي لم يُستخدم منذ الحرب العالمية الثانية، ولن يُستخدم.

السلاح النووي يوجد للردع والتوازن وليس للاستخدام، ونحن كعرب لا نهدد إيران، ولا مصلحة لنا في ذلك، ومن ثم يكون السلاح النووي لا قيمة له في ميزان القوى العربي الإيراني؛ الذي لم يتطوع أحد بدراسته لأننا لسنا في حالة حرب مع إيران ولن نكون، ولكن للأسف انشغلنا بهذا البرنامج النووي لأن أوروربا وأمريكا مشغولة به لأسبابها ولمصالحها الدولية، التي ليست من الضروري أن تكون متطابقة مع مصالح العرب كلهم أو بعضهم.

حرص نظام ولاية الفقيه على توظيف السلاح المذهبي لتحقيق الحلم الإمبراطوري وشغل العرب تارة بالبرنامج النووي، وتارة بالفضائيات المستفزة، والدعاة الذين يوغلون في الطائفية المقيتة

في نفس الفترة التي انشغل فيها العالم، ومعه العرب بالبرنامج النووي الإيراني كانت طهران تطور برنامجاً أكثر خطورة من السلاح النووي، وهو السلاح المذهبي، ذلك السلاح الذي ظلت توظّفه الدولة الصفوية طوال تاريخها، وتم إحياؤه مع ثورة الخميني، ونقله من نطاق الدولة الفارسية إلى نطاق النظام العالمي الشيعي الصفوي، أو الإمبراطورية الفارسية الصفوية التي توظف المذهب لخدمة السياسة، وتستخدم سيرة آل البيت عليهم السلام لخدمة مصالح الملالي في السيطرة والقوة والثروة والنفوذ. 

أدركت إيران منذ ثورة الخميني عام 1979 أن تصدير الثورة لن يتم إلا على يد أحزاب وجماعات تؤمن بولاية الفقيه، وتتخذ من مرجعية قم سلطة عليا لها، وأن إعجاب أو تبني أحزاب سنية لفكرة الثورة الخمينية هو مجرد وسيلة لتجميل الصورة، وتحقيق الدعاية المطلوبة، وتمرير المشروع الصفوي العنصري في مختلف بقاع العالم الإسلامي، لذلك تحركت إيران في مختلف الدول الإسلامية؛ التي لا تتبنى مذهبها بحذرٍ شديدٍ ونفسٍ طويلٍ، ورفعت شعار الإسلام وهي تقصد التشيع فقط، ووظفت التشيع لآل البيت عليهم السلام، وهي تهدف خدمة الفرس، فكان الدين الإسلامي مُختزلاً في المذهب الشيعي الاثني عشري، وكان التشيّع خادماً للفكرة الفارسية العنصرية، وهذا الأمر قديم قدم نشأة الدولة الشيعية في إيران على يد إسماعيل الصفوي في بداية القرن السادس عشر الميلادي.

وقد تساءل الدكتور علي شريعتي المفكر الإيراني عن السبب في اختزال التشيّع في نسل الإمام الحسين بن علي رضي الله عنه وعن أبيه وعن أمه وعليهم جميعاً السلام، وفسّر ذلك الدكتور شريعتي بقوله: لقد تم اختيار الإمام علي زين العابدين بن الحسين عليهم السلام ليكون نسله هم أئمة الشيعة، لأنه الإمام علي زين العابدين عليه السلام جمع بين وحي السماء ممثلاً في الدم النبوي من أبيه عليه السلام، وبين نقاء العنصر الفارسي ممثلاً في أمه شاه زنان بنت يزدجر آخر ملوك الفرس قبل استيلاء العرب عليها، إذن هناك ارتباط وثيق بين المذهب والعرق، أو الجنس الفارسي والنزعة الإمبراطورية، وإن لم يكن هذا صحيحاً فلماذا تصر إيران على أن تكون المرجعية الدينية في قم، وليس في النجف الأشرف حيث مراقد الأئمة عليهم السلام؟

حرص نظام ولاية الفقيه على توظيف السلاح المذهبي لتحقيق الحلم الإمبراطوري وشغل العرب تارة بالبرنامج النووي، وتارة بالفضائيات المستفزة، والدعاة الذين يوغلون في الطائفية المقيتة مثل ياسر الحبيب وغيره، ونظام الملالي يعلم أن العرب عاطفيون، وتحكمهم عقلية ردود الأفعال، لا يتحركون إلا عندما يستفزهم أحد، ويتحركون في الاتجاه الذي جاء منه الاستفزاز، وكانت هذه سياسة نظام ولاية الفقيه، عاش العرب في فضائياتهم، وصحفهم ومجالسهم منشغلون حتى الثمالة بالبرنامج النووي، والسباب الذي يطلقه بعض البلهاء على السيدة عائشة بنت أبوبكر رضي الله عنهما، وبقية الصحابة، وإيران تستخدم هذا كدخان في أرض المعركة؛ يلهي العدو ويصرفه عن السلاح الحقيقي الذي سوف يقتله، وهذا السلاح هو التحويل المذهبي، ونشر المذهب، وتقوية المنتمين للمذهب، والتغيير الديموغرافي، وتطويق العالم العربي، وذلك على النحو الآتي:

أولاً: تم تفجير كل شيء في المجتمع العراقي بتوظيف القاعدة التي كان يتخذ قادتها إيران معبراً أو مقراً أو مشفىً لهم، سواء بالتآمر، أو بتسيير البلهاء والتحكم فيهم عن بعد، وهم يظنون أنهم يحاربون الشيعة، والحقيقة أن إيران توظفهم لمحاربة السنة على المدى البعيد، وهذا ما كان، ثم تم دعم حزب الدعوة وقيادته التي نهبت العراق ودمرته، وأوغلت في المجتمع السني العربي قتلاً وتشريداً وتفكيكاً، ثم جاء ظهور داعش، وكان تسليم الموصل لهم كأنه تم بأوامر إيرانية نفذها نوري المالكي، تنفيذ التابع المطيع، وإلا لا يوجد عاقل في الأرض يفسر كيف سقطت الموصل على يد بضع مئات من مهابيل داعش.

وأخيراً جاء إنشاء الحشد الشعبي الذي يطلق عليه دائماً قاسم سليماني "الحشد الشعبي المقدس"، ولا يعرف أحد من أين استمد قداسته، وعناصره ارتكبوا جرائم القتل على الهوية، والسرقة والحرق والتدمير والتنكيل بالمجتمعات العربية السنية في العراق، وفي النهاية استخدم السلاح المذهبي لوضع العراق تحت الوصاية الإيرانية بصورة كاملة لقرن قادم من الزمان.

ثانياً: تم دعم حزب الله بصورة هادئة ليكون نموذجاً للمقاومة الإسلامية للاحتلال الصهيوني، جعلت منه أيقونة يقدّرها ويحترمها السنة قبل الشيعة، والمسيحيون قبل المسلمين، والجميع كان يظن أنه مشروع وطني عربي إسلامي بالمعني العام، وإذا هو في النهاية فصيل من فصائل فيلق القدس لخدمة المشروع الصفوي، ولو على حساب لبنان نفسه، وفلسطين ولم ولن تكون إلا ذريعة للتغطية، ولتمرير المشروع الصفوي الفارسي من خلال استحمار فصيل عربي يسير خلف جماعة الإخوان الفاشلة.

ثالثاً: اليمن تم تجنيد شبابها وحشدهم قوافل إلى إيران وجنوب لبنان منذ منتصف ثمانينيات القرن الماضي، وتم تحويل عشرات الآلاف منهم من المذهب الزيدي إلى المذهب الاثني عشري، وهم جميع أعضاء جماعة أنصار الله التابعين للحوثي، وهذا التحويل المذهبي من مدرسة شيعية معتبرة أنجبت أعظم علماء الفقه "الشوكاني" رحمة الله عليه، إلى المذهب الاثني عشري يؤكد حقيقة أن الهدف هو الفكرة الصفوية، والنزعة الإمبراطورية الفارسية، وليس التشيّع أو الإسلام أو آل البيت.

رابعاً: محاولات اختراق مصر والسودان والمغرب وجنوب شرق آسيا ووسط آسيا من خلال استغلال التصوف الذي ينزل آل البيت عليهم السلام منزلة عالية، ويبجّلهم ويحبهم أكثر ممن يتاجرون بأسمائهم، تم استغلال هذه الطرق الصفوية، ومجتمعات الأشراف للتحويل المذهبي، ونجحت المحاولات في بعض المناطق وفشلت في البعض الآخر، ولكن النتيجة كانت تفجير هذه المجتمعات وإرباكها، وخلق صراعات من نوع جديد فيها.

خامساً: وهذا هو أخطر ما قامت به إيران على الإطلاق، حيث تم اختراق دول غرب أفريقيا ووسطها وشرقها، وتم توظيف تعلق المسلمين البسطاء بآل البيت لتحويلهم للمذهب الاثني عشري، ويكفي أن يعرف المرء أنه هناك 300 ألف داعية شيعي في أفريقيا، يحققون تقدماً كبيراً من خلال توظيف الجاليات اللبنانية هناك، والهدف هو تطويق العالم العربي، وإعادة الإمبراطورية الفاطمية في شمال إفريقيا، وليس عبثياً أن يكون هناك فصيل يقاتل في سوريا إلى جانب حزب الله أسمه فاطميون.

وفي مواجهة ذلك يحتاج العالم العربي إلى استراتيجية تناسب تحدي السلاح المذهبي، وهذا ما سنناقشه في المقال القادم.

الآراء والمعلومات الواردة في مقالات الرأي تعبر عن وجهة نظر الكاتب ولا تعكس توجّه الصحيفة
تعليقات