أفضل طريقة لفهم إدارة النظام الإيراني لحربها مع الولايات المتحدة وإسرائيل حالياً هي أن تتخيل أنك تعيش في مدينة أو قرية صغيرة فيها عدد قليل من البيوت تم بناء أغلبها من زجاج وبشكل جميل جداً.
وفي هذه المدينة أو القرية يوجد شخص فاشل في حياته ويكره نفسه لدرجة أنه يحيط بيته (الذي كان جميلاً قبل عقود من الزمن) بمجموعة من القنابل شديدة الانفجار والتدمير، وبين الحين والآخر يقوم بتهديد جيرانه بنسف بيته هو الملغم بالقنابل في حالة لم يقم جيرانه من أصحاب البيوت الجميلة بتلبية طلباته، فكأنه يقول: "لأني فاشل وحاقد على الجميع ألا ينجحوا وألا يعيشوا".
ما يثير دهشة المراقب بعد أكثر من شهر على الحرب الأمريكية-الإسرائيلية ضد إيران هو استمرار إيران في إرسال صواريخها ومسيراتها المتفجرة التي كان قد تم تخزينها على مدى عقود ضد دول مجلس التعاون الخليجي صاحبة أفضل نموذج تنموي في العالم مع أن الخلاف الحقيقي لإيران ليس مع هذه الدول ولكن مع إسرائيل التي لم تستقبل من تلك الصواريخ والمسيرات الإيرانية إلا ما نسبته 14% في حين أن 86 منها وجهت إلى دول المجلس جيران إيران.
ولتأكيد خطورة العقلية الأيديولوجية أن النظام في إيران يفعل كل ذلك دون أن يكترث بتبعاته وفق القانون الدولي والقانون الدولي الإنساني الذي يجرم أفعاله، ويعطي الحق لدول المجلس، وحتى مواطنيه في الحصول على تعويضات مالية، مع أن يفترض شعب إيران هم أحق بهذه الأموال لهذا فإن أفضل وصف لتجسيد سلوك النظام الإيراني هو: "بلطجي الحارة أو القرية"، لأن تفكير البلطجي لحظي دون أفق فيما سيحصل.
من حق أي دولة في العالم بما فيها إيران أن تحصل على السلاح بشكل عام الذي يحافظ على مكتسباتها فهذا حق مشروع ولا يمكن لأحد أن يتنكر. ولكن المشكلة في السلاح النووي الذي تسعى إيران لامتلاكه وسبّب لها مشاكل وأزمات مع المجتمع الدولي، خطره الحقيقي ليس في امتلاك السلاح وإنما في أن تكون أزرار تلك القنبلة تدار بعقلية سياسية تم تشكيلها بأيديولوجية تتسم بالتزمت والتشدد، كما في حالة النظام الإيراني.
يحاول النظام الإيراني أن يمزج بين امتلاك القنبلة النووية التدميرية بالعقلية الأيديولوجية الثورية التي لديها استعداد على الإقدام على أعمال غير مقبولة كما تفعل مع الجوار الخليجي لها، أي أنه لا يوجد أي ضمان يمكن الثقة به في سلوك إيران عندما تمتلك السلاح النووي. العالم بحاجة لدولة تشعر بالمسؤولية الدولية وأهمية خدمة الإنسانية بدلاً من محاولة اختطاف واحدة من أهم المضائق في العالم وهو مضيق هرمز أو تدمير دول تستضيف جاليات من كل أنحاء العالم من أجل العيش الكريم.
عقلية الانتحاري التي يتسم بها الأيديولوجي أنه لا يريد أن يعيش في هذه الحياة بشكل طبيعي، وفي الوقت نفسه لا يريد أن يبقى أحد عندما يقتل نفسه فهو يريد أن يعاقب البشرية كلها لأنه فاشل وغير قادر على التكيف مع العالم أو حتى مواجهة عدوه الحقيقي.
ما نراه اليوم من حالة العدوان الإيراني على الجوار الجغرافي وعلى حالة الإصرار على المكابرة لا يعبر بالتأكيد عن "فن السياسة"، التي يقول البعض إن الإيرانيين يجيدونها، ولا يعبر حتى "عقلية التاجر" التي تقوم على المساومة والتفاوض، بل يستشعر الواحد منا أنه لا يوجد عاقل في النظام الإيراني على اعتبار أن التفكير بعقلية الأيديولوجي تعمي البصر وتضعف الرؤيا الاستراتيجية البعيدة، وفي هذه الحالة لا ينبغي من المجتمع الدولي ترك نظام مثل هذا وشأنه وإلا سيدمر العالم كما فعل هتلر.
لنتأمل كيف يمكن أن يكون سلوك النظام الإيراني في حالة امتلكت طهران، التي لا تتورع ألا تبتز العالم، أي سلاح تدميري، فهي لديها القدرة على الإيذاء من خلال منع الطاقة، ولا ترى أي حرج أخلاقي أو إنساني أو حتى إسلامي في ممارسة العدوان على دول رفضت استخدام أراضيها للاعتداء عليها، مما أفقد هذا النظام الثقة والاحترام من المجتمع الدولي.
عقلية الأيديولوجي تريد فقط أن يربح صاحبها الحرب حتى لو كان في الحقيقة خاسرا، ولكنه في المقابل لا يريد أن يربح السلام والاستقرار حتى لو أضر نفسه وشعبه.
الآراء والمعلومات الواردة في مقالات الرأي تعبر عن وجهة نظر الكاتب ولا تعكس توجّه الصحيفة