ركود عالمي على الأبواب.. تحذير من سيناريو مؤلم حدث قبل 100 عام
يرى محللون أنه في أكثر السيناريوهات تفاؤلا بالنسبة للاقتصاد العالمي، تنتهي الحرب في الشرق الأوسط خلال بضعة أسابيع، لتستأنف المنطقة إنتاج النفط والغاز وتعود حركة الشحن عبر مضيق هرمز، بما يمنع حدوث صدمة في إمدادات الطاقة العالمية ويخفف الضغوط التضخمية.
لكن تحليلا نشرته صحيفة نيويورك تايمز نقل عن خبراء تحذيرهم من أي شعور متسرع بالاطمئنان، إذ إن القصف الأمريكي والإسرائيلي لإيران، والاعتداءات الإيرانية في أنحاء المنطقة، أطلقا مخاطر تشكل تهديدا كبيرا لآفاق الاقتصاد العالمي.
أكبر المخاوف
تركزت أبرز المخاوف على احتمال أن تقدم الحكومة الإيرانية على رد انتقامي أشد عدوانية، يستهدف قدرات دول المنطقة على إنتاج الطاقة.
والخطير أن أي حدث يطيل أمد الصراع أو يهدد مصادر النفط والغاز من المرجح أن يرفع أسعار الطاقة إلى مستويات تغذي التضخم. وقد يدفع ذلك البنوك المركزية حول العالم إلى رفع أسعار الفائدة، ما يزيد كلفة الرهون العقارية وقروض السيارات وأشكال الاقتراض الأخرى، وهو ما قد يخنق إنفاق المستهلكين واستثمارات الشركات، في مسار اقتصادي كلاسيكي نحو الركود.
ونقل التحليل عن كبير الاقتصاديين السابق في صندوق النقد الدولي والأستاذ في جامعة هارفارد، كينيث إس. روجوف، قوله: "نحن في فترة شديدة الهشاشة والخطورة، ولا دليل على أن الصراع سيكون قصير الأمد"، وضرب مثالًا باغتيال ولي العهد المفترض للإمبراطورية النمساوية المجرية قبل أكثر من قرن، وهي حادثة أشعلت حربًا عالمية واسعة النطاق.
وأضاف روجوف: «الأمر يشبه إلى حد ما أن تسأل، حين قُتل الأرشيدوق فرديناند، ما العواقب الاقتصادية الكلية لذلك، بينما لا يملك أحد أي فكرة عما سيحدث لاحقًا. وعندما بدأت الحرب العالمية الأولى، ظن الجميع أنها ستنتهي خلال شهر».
ويكمن محور القلق الحالي في مصير الطاقة المنتجة في الشرق الأوسط، الذي يوفر نحو 30% من نفط العالم و17% من غازه الطبيعي. وأي اضطراب في هذا التدفق سيؤدي على الأرجح إلى متاعب في أكبر الدول المستوردة، ولا سيما الاقتصادات الكبرى في شرق آسيا وأوروبا.
وكلما واجه العالم أسبابًا جديدة للقلق بشأن إمدادات نفط الشرق الأوسط، عادت المقارنات إلى سبعينيات القرن الماضي، حين وجهت منظمة البلدان المصدرة للبترول (أوبك) سلسلة من الصدمات. وعندما خفض تكتل النفط الإمدادات لرفع الأسعار، اضطر الأمريكيون إلى الوقوف في طوابير طويلة أمام محطات الوقود للحصول على حصص محددة ودفع أسعار قياسية للإبقاء على سياراتهم في الطرقات.
وكما كان الحال آنذاك، يتركز الاهتمام اليوم على مضيق هرمز، الممر المائي الضيق الذي يشكل قناة بحرية بين الخليج العربي والمحيط الهندي، ويمر عبره نحو خمس إمدادات النفط العالمية، يتجه جزء كبير منها إلى آسيا.
سوابق تاريخية
وكان الضغط على المرور عبر المضيق شديدًا بشكل خاص عام 1979، وهو العام الذي أُطيح فيه بشاه إيران عبر ثورة أوصلت إلى السلطة الحكومة التي تحكم البلاد منذ ذلك الحين.
لكن أوجه الشبه التاريخية تتوقف عند هذا الحد، إذ إن التكتل المعروف حاليًا باسم "أوبك بلس" تعهد بالفعل بزيادة الإنتاج لتعويض أي مخزونات قد تتعرض للخطر بسبب الحرب. وبفضل الزيادات الحادة في الإنتاج الأمريكي، يتجاوز المعروض العالمي من النفط عمومًا حجم الطلب.
وإذا تعرقل المرور عبر مضيق هرمز لأكثر من بضعة أسابيع، فسيحد ذلك في نهاية المطاف من إنتاج المنتجات البتروكيماوية، بما في ذلك الأسمدة. وقد يرفع ذلك تكلفة إنتاج الغذاء، ما يفاقم أزمات سوء التغذية في مناطق مثل أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى وجنوب آسيا.
وقالت كبيرة الاقتصاديين في بنك الاستثمار "دي إن بي كارنيغي" ومقره أوسلو، كيرستي هوغلاند،: «لا يزال النفط والغاز بالغي الأهمية. ومهما تكن مزايا التحول إلى الطاقة الخضراء، فلا يزال الطريق طويلًا جدًا».
وقفزت أسعار النفط بأكثر من 10% الإثنين، في تعبير واضح عن القلق بشأن تدفق الإمدادات العالمية، لكنها تراجعت لاحقًا في اليوم نفسه، في إشارة إلى أن المخاوف كانت متركزة أساسًا حول القدرة على تصدير النفط والغاز من الشرق الأوسط.
وقال الزميل البارز في معهد بيترسون للاقتصاد الدولي في واشنطن، عدنان مزراعي: «أكثر مناطق العالم هشاشة هما أوروبا وشرق آسيا، نظرًا لاعتمادهما على الطاقة المستوردة».
وتجلّت خطورة الموقف الإثنين عندما أعلنت شركة النفط القطرية المملوكة للدولة أنها ستوقف إنتاج الغاز الطبيعي المسال، نظرًا لمخاطر نقل شحناتها عبر مضيق هرمز، ما أدى إلى ارتفاع أسعار الغاز الطبيعي في أوروبا بنسبة 50%.
ومن بين الدول المتضررة، قد تبدو الولايات المتحدة أكثر تحصنًا، نظرًا لمكانتها كأكبر منتج للنفط الخام في العالم وأكبر مُصدّر للغاز الطبيعي المسال. لكن رغم استفادة شركات الوقود الأحفوري الأمريكية من ارتفاع ممتد في الأسعار، فمن شبه المؤكد أن المستهلكين سيدفعون أسعارًا أعلى للبنزين، وسعر الوقود يتسرب إلى بقية الاقتصاد دافعًا الأسعار نحو الارتفاع.
وهذا الواقع يدفع كثيرًا من الخبراء إلى افتراض أن الإدارة الأمريكية قد تسعى إلى إنهاء الصراع قبل أن تتاح لأسعار الطاقة المرتفعة فرصة لتفاقم تكاليف السلع الاستهلاكية.
وقد وصل الرئيس الأامريكي دونالد ترامب إلى منصبه جزئيًا بسبب استياء عام من ارتفاع أسعار البقالة، وقد يكون من الخطر سياسيًا خوض انتخابات الكونغرس في نوفمبر/تشرين الثاني في ظل ارتفاع أسعار البنزين.
غير أن الآثار بعيدة المدى للصراع المتصاعد تميل إلى زيادة الضغوط التضخمية، بحسب روجوف، أستاذ هارفارد. وستحتاج الولايات المتحدة إلى تجديد مخزونها من الأسلحة، ما يضيف أعباءً على الدين الوطني.
وقال روجوف: «سننتهي بإنفاق أكبر بكثير على الشؤون العسكرية، وسيكون لذلك تداعيات على أسعار الفائدة والتضخم. هذا أمر محسوم سلفًا».