سياسة

الاستراتيجيات الإيرانية لكسر المجتمعات العربية

الجمعة 2018.9.21 07:43 صباحا بتوقيت أبوظبي
  • 507قراءة
  • 0 تعليق
رضوان السيد

قبل ثلاثة أيام، تهجم سالم زهران على دولة الكويت وأميرها. وزهران من «عرب المسلخ». ويعمل لدى محور المقاومة والممانعة، وهو مثل جميل السيد ووئام وهّاب، مشهورٌ بالتفلت في الخطاب، ولا يتعرض له الأمنيون أو القضائيون خوفاً من حُماته. وكان زهران قد قال قبل أسابيع، إن سعد الحريري سيذهب إلى سوريا «ورجله فوق رقبته» أو ما شابه، وعندما خرج فتيانٌ إلى شوارع بيروت هاتفين ضدّه عاد فاعتذر. أما دولة الكويت فلم يعتذر منها حتى الآن رغم إدانة الجميع لتصريحاته، مثل رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة ورئيس مجلس النواب، والآخرين من البيئة السياسية أو بيئة الأعمال، أما سبب الهجوم -حسب زهران- فهو زيارة حاكم الكويت لأمريكا واجتماعه بالرئيس ترامب، مما يدل على التآمر على المقاومة العظيمة وإيران!

عندنا في لبنان شكل «حزب الله» مليشيا سنية تابعة له، من معدمي المدن والبلدات وحرافيشها، واستخدمها في طرابلس كما استخدم قلة من العلويين، لشرذمة المدينة واحتلالها، كما احتل بيروت عام 2008

لا قيمة لزهران سياسية أو اجتماعية. وتفكيره بالكويت واعتباره أنها خاضعة لأمركا ليس ذاتياً؛ بل هو من وحي الذين يوجهونه منذ أيام السوريين بلبنان، وقد انحشروا الآن رغم اعتزازهم بالانتصارات الفظيعة، ولذلك فقد ظهرت معالم خطتهم للسير في مزيدٍ من كسر المجتمعات العربية وتخريبها، ولا فرق في ذلك بين الشيعة والسنة فيها.

في العراق، يرى مراقبون غربيون أن اضطرابات البصرة لها أسبابٌ حقيقية؛ لكنّ التخريب الذي انغمست فيه قلة مشبوهة أصله إيراني، لتبرير التدخل بالقوة وإخضاع البصرة من جديد لسيطرة «الحشد الشعبي». فبعد إحراق مقر الحشد بالبصرة، وإحراق القنصلية الإيرانية، أعلن العامري زعيم «الحشد» عن تشكيل عشرة ألوية تحت عنوان: ألوية التعبئة؛ من أجل حماية الأمن هناك، بينما كان الشبان الثائرون مشكلتهم سيطرة حشود «الحشد» ومليشياته على المدينة، وتجويع الناس، فحاميها حراميها! 

ما معنى هذا؟ معناه أن المجتمعات في سوريا والعراق ولبنان واليمن صارت فيها فئاتٌ من المرتزقة الفقراء والمهمشين، والذين يمكن جمعهم وتوجيههم للتخريب والقتل مقابل لقمة العيش، ظهر ذلك في العراق بعد الاحتلال الأمريكي، عندما دخل «المعارضون» الآتون من إيران بسلاحهم، وجمعوا من حولهم كل مهمشي المدن والأرياف، وانشعبوا في مليشيات بأسماء وعناوين آل البيت، وتحت وطأة الأمريكيين والتوجيه الإيراني تحولت مقاومة الغزو إلى نزاع طائفي مدمر تسبب بقتل مئات الآلاف، وتهجير الملايين. فلمّا اشتد الاحتجاج على المالكي بعد عام 2011 وظهر «داعش»، أصدر السيستاني فتوى الجهاد الكفائي، فعادت ظاهرة «الحشد الشعبي» إلى التفاقم، وصار يأتي بعد إخراج الأمريكيين والجيش للدواعش، للاستقرار في المدن والبلدات ونهبها واستعبادها، باعتبار أن كل الناس في الأنبار وصلاح الدين وديالي ونينوى، كلهم دواعش وإن تخفّوا!

وقبل ثلاث سنوات، كنت أناقش مع إياد علاوي، رئيس وزراء العراق الأسبق، ظاهرة هجرة الزعامات السنية من العراق إلى عمّان وإلى تركيا. وقال علاوي إنّ هذه الظاهرة كارثية، وضغوط المالكي هي العلة الأبرز مع الغياب العربي. لكنّ هناك -كما قال لي- ظاهرة أخطر، هي ظهور «سياسيين» في المناطق السنية تعاونوا مع المالكي أو عادوا من الأردن وتركيا، وهم يتعاملون إلى جانب بعض شيوخ العشائر مع المليشيات الشيعية المسيطرة في مناطقهم، والتي لا يقل هَولُها عن هَول «داعش». وعشية الانتخابات الأخيرة وقبلها وبعدها سمعنا عن مقتل ثلاثة من شيوخ العشائر على أيدي مليشيات «الحشد». ثم قيل إنّ البعض يتفاوض مع «الحشدويين» على الانحياز لهم سياسياً في مقابل الانسحاب من مناطقهم. وقد ظهر ذلك بالفعل في انتخاب الشاب محمد الحلبوسي من الأنبار رئيساً لمجلس النواب العراقي. والحلبوسي عنده لائحة اسمها «الأنبار هويتنا»، ثم تبين أن هويته كانت ولا تزال هي هادي العامري والعياذ بالله. 

فبعد الحروب والغزوات الهائلة من الأمريكان ومن المليشيات الطائفية، ومن الدواعش، ومن قوات الجيش والشرطة، وهي أشبه بالمليشيا أيضاً.. بعد كل ذلك تحطّم المجتمع وصار أفراده يريدون الستر والقدرة على العودة إلى منازلهم، ولو وقعوا في الذل والإذلال وفقدوا الحرية والكرامة.

وعندنا في لبنان، شكل «حزب الله» مليشيا سنية تابعة له من معدمي المدن والبلدات وحرافيشها، واستخدمها في طرابلس كما استخدم قلة من العلويين لشرذمة المدينة واحتلالها، كما احتل بيروت عام 2008؛ لكنه لم ينجح رغم ذلك كله لعدم القدرة على تكوين مليشيا سنية كبيرة في مناطق الشمال اللبناني، وهي مناطق سوادها الأعظم من السنة. إنما ما لم ينجح فيه في طرابلس نجح فيه في صيدا وجوارها، عندما ظهر الشيخ أحمد الأسير، فبحجة تكديس الأسير للسلاح في المسجد الذي كان أمامه جرى اشتباك غامض قتل فيه عشرات من الجيش وجماعة الأسير، وخلال ساعات استولت مليشيا «سرايا المقاومة» بمساعدة مخابرات الجيش على المدينة، فصار الوضع في صيدا كما هو في بيروت. وقد كانت لذلك نتائج سياسية في الانتخابات الأخيرة، فبسبب قانون الانتخاب الفظيع وطرائق تركيب الدوائر وإدارة الانتخابات خسر تيار المستقبل أكثر نوابه غير السنة، كما خسر عشرة من نواب السنة، ستة منهم من أنصار الحزب.

وهكذا، وبسبب سوء التقدير والتفويت، ظهرت بمجلس النواب أكثرية موالية لهذا الطرف أو ذاك، وفقدت رئاسة الجمهورية حياديتها. ويعجز رئيس الحكومة المكلف عن تشكيل حكومته حتى الآن، ويبدو الحزب مسيطراً على النظام السياسي، بوهج سلاحه بالطبع؛ لأنه منذ سيطر على المؤسسات الدستورية وعلى مناصب حساسة في الجيش والقوى الأمنية ما عاد في حاجة إلى استخدام سلاحه مباشرة كما فعل في عدة مناسبات.

إن أول تصريح أدلى به رئيس مجلس النواب الجديد بالعراق تأييده لإيران في وجه العقوبات الأمريكية، ودعوته للاريجاني لزيارة العراق. وهذا كله ولا يزال الأمريكيون عسكراً ومدنيين ضرورة للعراق المنهك والمتشرذم. والأمر نفسه صرَّح به نبيه بري رئيس البرلمان اللبناني: دعم إيران في وجه العقوبات، واعتبار لبنان توأماً لسوريا الأسد!

إن الاستراتيجية الإيرانية لمواجهة العقوبات الأمريكية تعتمد على سلسلة من المليشيات الضخمة المنتشرة في العراق وسوريا ولبنان، لإرهاب المجتمعات المحلية، وإخضاع العزَّل للإرادة الإيرانية، وتعطيل المرافق إن ظلت المقاومة قوية. لكنْ ليس هذا فقط، فهناك فئات من سكان البلدان الثلاثة، وبسبب التعب الذي نال منهم، صاروا مستعدين للتعاون مع الغُزاة في مقابل إبقائهم في مساكنهم، وإعطاء بعض الضعفاء مناصب شكلية، أسماؤها لها وقعٌ رنان.

ويهدد «الحشد الشعبي» وتهدد المليشيات الموالية لإيران الكويت بهزّ الاستقرار الداخلي، إن بقيت إلى جانب أشقائها العرب، أما حسن نصر الله فيحذر على مشارف المحكمة الدولية الخاصة من اللعب بالنار، إذا صدر الحكم ضد القتلة من الحزب، فيجيبهم الحريري من المنطق ذاته أن الاستقرار مقدم على كل شيء، بينما نعلم جميعاً أن العدالة هي أصل الاستقرار وليس العكس.

في سوريا خراب كامل يقف على أنقاضه الإيرانيون وغيرهم، وفي العراق ولبنان تظهر إلى جانب المليشيات فئاتٌ خاضعة وموالية للحزب وإيران، واللافت أن الأمريكيين هم الذين يحثون العرب وبينهم الخليجيون على التضامن لمواجهة الهجمة، فإما الإصغاء إلى النذير أو السير الحثيث على خطى الأسد والمالكي ونصر الله والحوثي.. ولا حول ولا قوة إلا بالله.

نقلا عن "الشرق الأوسط"

الآراء والمعلومات الواردة في مقالات الرأي تعبر عن وجهة نظر الكاتب ولا تعكس توجّه الصحيفة
تعليقات