«فيتو أمريكي» ضد أذرع إيران بالعراق.. حكومة الزيدي تستبعد الفصائل المسلحة
في العراق لا يبدو تشكيل حكومة رئيس الوزراء المكلف علي الزيدي مجرد عملية توزيع حقائب بقدر ما يمثل اختباراً لإعادة هندسة توازنات البلاد.
ويأتي التشكيل المرتقب وسط ضغوط أمريكية متصاعدة لتقليص نفوذ الفصائل المسلحة، ومحاولات داخلية لإعادة صياغة شكل السلطة بعد سنوات من هيمنة القوى الولائية على مفاصل القرار السياسي والأمني.
وتتجه الأنظار إلى جلسة مجلس النواب العراقي المقررة، الخميس، للتصويت على البرنامج الوزاري والتشكيلة الوزارية (الكابينت الحكومي) لرئيس الوزراء المكلف علي الزيدي، وسط تصاعد الجدل السياسي بشأن طبيعة الحكومة الجديدة، وحجم التغييرات التي طرأت على موازين القوى داخل «الإطار التنسيقي» والتحالفات السياسية العراقية، خصوصاً بعد استبعاد عدد من القوى والفصائل المرتبطة بإيران، بما يُعرف بـ«الفصائل الولائية»، من التشكيلة الحكومية.
وتابع رئيس مجلس النواب هيبت الحلبوسي الاستعدادات الخاصة بعقد الجلسة، في وقت تشير فيه المعطيات السياسية إلى أن الحكومة المقبلة ستكون مختلفة عن الحكومات السابقة، سواء من حيث شكل التمثيل السياسي أو طبيعة التفاهمات الإقليمية والدولية التي رافقت تشكيلها.
«الفيتو الأمريكي» وإبعاد الفصائل المسلحة
وكشفت مصادر مقربة من «الإطار التنسيقي»، مساء الأربعاء، عن أن الأخير عقد اجتماعاً وضع خلاله اللمسات الأخيرة على التشكيلة الوزارية التي سيتم تمريرها، الخميس.
وقالت المصادر لـ«العين الإخبارية» إن «أبرز ما يميز التشكيلة الحكومية الجديدة هو الاستبعاد الواضح لقوى وفصائل شيعية تمتلك حضوراً سياسياً وعسكرياً مؤثراً»، في خطوة ربطتها مصادر سياسية بـ«فيتو أمريكي» اشترط عدم مشاركة الفصائل المسلحة أو الجهات المرتبطة بها داخل الحكومة المقبلة.
وشملت قائمة المستبعدين كتلة "صادقون" التابعة لمليشيات "عصائب أهل الحق" بزعامة قيس الخزعلي، التي حصدت المركز الثاني بين القوى الشيعية في الانتخابات البرلمانية التي جرت في نوفمبر/تشرين الثاني 2025، بعد قائمة ائتلاف "الإعمار والتنمية" بزعامة رئيس الوزراء المنتهية ولايته محمد شياع السوداني.
وحصلت القائمة على 30 مقعداً، كما أهلتها هذه المقاعد لتولي منصب النائب الأول لرئيس مجلس النواب عبر القيادي فيها عدنان فيحان. وتمتلك الجماعة قوات عسكرية، بعضها ضمن «الحشد الشعبي»، وأخرى خارج إطار المؤسسات الأمنية الرسمية.
وأوضحت المصادر أن من بين المستبعدين أيضاً أحمد الأسدي زعيم جماعة «جند الإمام» المسلحة، وتحالف «خدمات» المرتبط بـكتائب الإمام علي بزعامة شبل الزيدي، وحركة «حقوق» التابعة لكتائب حزب الله العراق، وكتلة «منتصرون» التابعة لـكتائب سيد الشهداء بزعامة أبو آلاء الولائي، إضافة إلى حركة «أنصار الله الأوفياء» بزعامة حيدر الغراوي.
ويعد استبعاد «عصائب أهل الحق» الحدث الأبرز، نظراً لما تمثله الحركة من ثقل سياسي وشعبي داخل البيئة الشيعية، خاصة بعد حصولها على 29 مقعداً في البرلمان خلال الانتخابات الأخيرة.
وترى مصادر سياسية أن هذا الاستبعاد يعكس تحولات في شكل العلاقة بين بغداد وواشنطن، في ظل ضغوط أمريكية تهدف إلى تقليص نفوذ الفصائل المسلحة داخل مؤسسات الدولة، وربط أي دعم سياسي أو اقتصادي للحكومة الجديدة بوجود حكومة «أقل ارتباطاً» بالفصائل الولائية.
«نكهة ترامبية» للحكومة الجديدة
وفي مؤشر على طبيعة التفاهمات الجديدة، قال أمين عام «الإطار التنسيقي» عباس راضي العامري إن الحكومة المقبلة «مختلفة وفيها نكهة الإدارة الترامبية»، مؤكداً وجود رغبة ببناء علاقة جديدة مع الولايات المتحدة تقوم على المصالح الاقتصادية والاستثمارية، وليس فقط التعاون الأمني.
وأضاف العامري أن العراق يريد «صفقات عاجلة ومؤقتة» مع واشنطن، مع فتح الباب أمام الشركات الأمريكية الكبرى للعودة إلى السوق العراقية، في إشارة إلى رغبة بعض أطراف السلطة بتهدئة العلاقة مع الإدارة الأمريكية وإعادة صياغة التوازنات الداخلية بما يتناسب مع المتغيرات الإقليمية.
توزيع الحقائب الوزارية
وبحسب التسريبات والمعلومات المتداولة، فإن جلسة الخميس قد تشهد التصويت على ما بين 19 و20 وزيراً من أصل 23، مع استمرار التفاوض بشأن بعض الحقائب الخلافية.
ووفقاً للمصادر، فإن الوزارات المرجح تأجيل حسمها هي وزارة الدفاع، رغم ترشيح ثابت العباسي، ووزارة الهجرة والمهجرين، ووزارة العمل والشؤون الاجتماعية.
كما تشير التوقعات إلى ترشيح إسوان سالم، شقيق ريان الكلداني، لوزارة الهجرة والمهجرين عن المكون المسيحي.
حكومة تسويات أم بداية مرحلة جديدة؟
ويرى مراقبون أن حكومة الزيدي قد تمثل بداية مرحلة سياسية جديدة في العراق، عنوانها تقليص نفوذ الفصائل المسلحة داخل السلطة التنفيذية، مقابل تعزيز الحضور التكنوقراطي والسياسي المقبول دولياً وإقليمياً.
لكن في المقابل، يعتقد آخرون أن استبعاد قوى تمتلك ثقلاً سياسياً وشعبياً وعسكرياً قد يفتح الباب أمام توترات داخل البيت الشيعي، خاصة إذا شعرت هذه الأطراف بأنها مستهدفة ضمن ترتيبات إقليمية ودولية أوسع.
كما تبقى قدرة الحكومة المقبلة على تحقيق التوازن بين المطالب الأمريكية وضغوط «الإطار التنسيقي» ومتطلبات الاستقرار الداخلي، أحد أبرز التحديات التي ستواجه علي الزيدي في حال نيل حكومته ثقة البرلمان.