سياسة

تظاهرات العراق.. الهوة بين السلطة والشارع

السبت 2018.8.4 09:57 صباحا بتوقيت أبوظبي
  • 307قراءة
  • 0 تعليق
د. شاكر نوري

تظاهرات العراق في غليان مستمر على عكس ما كان يتصور المحللون السياسيون، فهي ترسم نقاط خلاف عميقة بين الشارع والسلطة، لا أحد يستطيع السيطرة عليها في خضم الأوضاع الراهنة في ضوء تصاعدها وارتفاع سقف مطالبها، فلم يعد المتظاهرون المتمردون، وغالبيتهم من الشباب الذين ولدوا في بداية الاحتلال الأمريكي، يطالبون بتوفير الكهرباء والماء والوظائف بل تعدت مطالبهم إلى رفع شعارات برحيل الطبقة السياسية التي لم تعد صالحة للحكم في نظرها، وما يزيد الطين بلّة أن هؤلاء المتظاهرين هم من مدن جنوب العراق الذين يفترض أن سوادهم الأعظم من الموالين للحكم. ولكن الموضوع الآن يتعدى المذاهب وخلافاتها ولم تعد الاحتجاجات فورة مؤقتة زائلة لأن الظروف التي دعت إليها ما زالت قائمة. ولا تستطيع السلطة الحاكمة تحمّل هذه التظاهرات الشبابية لذلك ألصقت بهم شتى النعوت والأوصاف أقلها أنهم من بقايا نظام البعث أو ممن تمولهم القوى الخارجية. ووصل بهم الأمر إلى مواجهتم بالقتل والرصاص الحي والاعتقالات.

إن محاولة كبح جماح هذه التظاهرات يدل على ضعف السلطة وعدم توفرها على الحلول العاجلة، فقد ضيعّت المليارات في إنفاقات واختلاسات لا حدود لها. وأصبح من الواضح أن هذه الحركة الاحتجاجية ما هي إلا تعبير عن حالة الاحتقان والغليان والغضب المتراكمة في الشارع العراقي في ظل الفساد الإداري والمالي وانعدام الخدمات من قبل الحكومات المتعاقبة التي ظلت عاجزة عن توفير الحياة الكريمة للعراقيين. ومما زاد في ذلك هو عدم الإعلان عن نتائج الانتخابات الأخيرة لحد الآن وما شابها من تزوير وتدليس وطعن. وهو ما ينذر بتفكك أجهزة الدولة الهشة أصلا والتي لم تعتمد على آليات احترافية من جهة، وهيمنة العناصر التي لا خبرة لها في الإدارة المالية والسياسية والاجتماعية من جهة أخرى. إضافة إلى سيطرة الأحزاب الدينية التي تعمل لصالحها وليس لصالح جماهير المنتخبين، واعتمادها المحاصصة الطائفية، وبيع وشراء المناصب في المزاد العلني وعن طريق المضاربات. ولم تنفع دعوات إحلال عناصر التكنوقراط الذين أبعدوا عن آليات الحكم وغادر معظم الكوادر العلمية البلاد.

التظاهرات التي اجتاحت مدن الجنوب الفقيرة والمُفقرة وأنحاء العاصمة بغداد أثبت أن الأحزاب الدينية ومراجعها المذهبية فقدت سيطرتها على الشارع العراقي الذي يهدد بالفلتان والهيجان والغضب الذي لا يمكن لأحد أن يتنبأ بنتائجه وتداعياته المستقبلية.

إن حالة الهيجان الشعبي تعود إلى أسباب متعددة: منها ازدياد الهوة بين السلطة والشباب المتضرر من العميلة السياسية، ولنا أن نذكّر بأن أعمار المحتجين لا يتجاوز الثلاثين، بينما مَنْ هم في السلطة من العجائز، وغالبيتهم أمضى أكثر من ثلاثين عاما خارج العراق وليست لديهم المعرفة الكافية لفهم متطلبات المحتجين المشروعة. خاصة أن هؤلاء الشباب المحتجين غير مسيسين ولا ينتمون إلى أحزاب سياسية معينة، حتى أنهم تجاوزوا الأحزاب العلمانية التقليدية مثل الحزب الشيوعي وغيره من الأحزاب المدنية ولو أنها ما تزال ضئيلة، لأن النظام السابق قضى عليها ودمرها بالكامل، مما خلق الفراغ السياسي الهائل الذي سهّل للأحزاب الدينية أن تستولي على مقاليد السلطة بدعم من ايران التي تدعمها بالمال والسلاح والأفكار. وقد عمل معظم الحكام الحاليين مع إيران بل وقاتلوا في صفوف الإيرانيين ضد أبناء جلدتهم العراقيين أثناء الحرب العراقية الإيرانية، وقد تجاوز إيمانهم الطائفي الضيق إيمانهم الوطني الواسع.

هل سيتكرر سيناريو تونس ومصر في العراق؟ أي هل يتم تدويل القضية العراقية ودخول أطراف دولية على خط الصراع والغليان الشعبيين؟

التظاهرات التي اجتاحت مدن الجنوب الفقيرة والمُفقرة وأنحاء العاصمة بغداد، أثبت أن الأحزاب الدينية ومراجعها المذهبية فقدت سيطرتها على الشارع العراقي الذي يهدد بالفلتان والهيجان والغضب الذي لا يمكن لأحد أن يتنبأ بنتائجه وتداعياته المستقبلية. خاصة بعد تجاوز التظاهرات للبصمة الطائفية، ورفع شعارات وطنية لا تستطيع السلطة الإجابة عنها ولا تقديم الحلول لا العاجلة ولا الآجلة. وقد تحوّلت الشعارات التي يرفعها الشباب من إصلاح النظام إلى إسقاط النظام، وهذا ما ظهر في الشعارات الأخيرة التي أخذت مسارا جديدا ما جعل حكّام المنطقة الخضراء يتصدون لها بالقتل والاعتقال والخطف. وقد استخدمت السلطة الحاكمة أسلوب التخدير الطائفي مع أهل الجنوب لسنوات عديدة، ولكن السحر انقلب على الساحر الآن، ولم تعد وصفاتهم قادرة على العمل والتأثير. وكشفت هذه الاحتجاجات عن فساد الدستور ذاته الذي لا يلتزم به الحكّام ولا يحترمون بنوده التي أقرت حق التظاهر وعدم مواجهته بالرصاص الحي.

في ظل الظروف الحالية، تحاول الأحزاب الدينية الاستعجال في تشكيل الحكومة بعد ضغوطات متعددة سواء كانت شعبية أو مذهبية بعد تعثر مفوضية الانتخابات في الإعلان عن النتائج النهائية للانتخابات. ويبقى تحالف "سائرون" بقيادة مقتدى الصدر، الفائز بالمرتبة الأولى في الانتخابات المعادلة الأساسية في نظام الحكم الجديد، وهو رجل متذبذب يقيم التوازنات التي تحتاجها الكتل المتحكمة بالعملية السياسية مثل حزب "الدعوة" بجناحيه، وتحالف "الفتح" و"تيار الحكمة الوطني" وائتلاف "الوطنية".

باتت الاحتجاجات تتخذ منحى آخر، وهي نقطة اللاعودة بعد أن انتشر المتظاهرون في اعتصامات أمام مقار شركات النفط والمباني الحكومية، مطالبين بتنفيذ مطالبهم المتعلقة بتأمين المياه الصالحة للشرب وتجهيز الكهرباء، فضلا عن فتح باب التوظيف والقضاء على الفساد. وهي مطالب لا تتمكن الحكومة تنفيذها في ظل الظروف الاقتصادية الصعبة التي تعيشها، والتي تفرض حالة التقشف على جميع مناحي الحياة. ولم تستفد الحكومات المتعاقبة من الوفرة المالية التي كان العراق يتمتع بها في السنوات الأولى التي لم يتم إنفاقها على الحرب ضد داعش فقط بل قضمتها عمليات الفساد الواسعة التي لم تتمكن الحكومة المركزية من السيطرة عليها.

وهكذا اتسعت الهوة بين السلطة والشارع الذي يطالب بإقامة حكومة مدنية وذهبوا إلى أبعد من ذلك، من خلال المطالبة بإلغاء النظام البرلماني ومجالس بلديات المحافظات واستبداله بنظام رئاسي يعتمد على الانتخابات كل أربعة أعوام. وهذا المطلب يُهدد علانية حكم الأحزاب الدينية المستفيدة من النظام البرلماني الذي يعمل على تقسيم السلطات ويتيح للأفراد التحكم بمفاصل الدولة وثرواتها.

إلى أين ستقود التظاهرات الحالية؟ وما الرسائل التي بعثتها إلى حكّام المنطقة الخضراء؟ وكيف ستنتهي؟

يبقى هذا السؤال محيّرا ومربكا للعلمية السياسية برمتها، بعد أن أدركت الطبقة السياسية التي تتحكم بالعراق عمق الهوة التي تفصلها عن الشارع في العقلية والرؤية والأفق.

الآراء والمعلومات الواردة في مقالات الرأي تعبر عن وجهة نظر الكاتب ولا تعكس توجّه الصحيفة
تعليقات