الزيدي يرسم ملامح العراق ما بعد سبتمبر.. شراكة مع واشنطن وسلاح بيد الدولة
كشف رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي عن توجهات حكومته في عدد من الملفات الاستراتيجية، من بينها منح الشركات الأمريكية أولوية العمل في العراق، واستهداف رفع إنتاج النفط إلى 7 ملايين برميل يوميا، واستكمال نزع سلاح الفصائل المسلحة.
جاء ذلك في مقابلة مطولة أجرتها هادلي غامبل، كبيرة مذيعي IMI الدوليين، مع رئيس الوزراء العراقي، هي الأولى له منذ توليه منصبه قبل نحو شهر، وقبل أسابيع قليلة من زيارته الأولى إلى واشنطن، التي وصفها بأنها «ليست زيارة بروتوكولية عابرة»، بل تمثل إعلاناً عن مرحلة جديدة من الشراكة بين العراق والولايات المتحدة تقوم على المصالح المشتركة والاحترام المتبادل.
وقال الزيدي: «مع انسحاب آخر القوات الأمريكية من العراق في 30 سبتمبر/أيلول، ستنتقل العلاقة مع الولايات المتحدة من شراكة عسكرية إلى شراكة اقتصادية»، معتبراً واشنطن الشريك المفضل للعراق.
وبموجب اتفاق أُبرم عام 2024 بين بغداد وواشنطن، انسحبت قوات التحالف من القواعد الرئيسية في العراق بحلول سبتمبر/أيلول من العام الماضي وانتقلت إلى إقليم كردستان، ومن المفترض أن تنسحب بالكامل من البلاد بحلول سبتمبر/أيلول من هذا العام.
غير أن من المتوقع أن يستمر دور القوات الأمريكية بصفة استشارية، خصوصاً للمساعدة في مكافحة تنظيم داعش في سوريا المجاورة. وكان معظم القوات الأمريكية في سوريا قد انتقل إلى أربيل في وقت سابق من هذا العام.
وفي هذا السياق، ربطت الفصائل المسلحة الموالية لإيران داخل العراق عملية نزع سلاحها بالموعد ذاته في سبتمبر/أيلول، فيما يُتوقع أن يفضي هذا التحول إلى شراكات أمنية ثنائية بين واشنطن وبغداد بدلاً من الوجود العسكري المباشر.
الاقتصاد والنفط
وعلى الصعيد الاقتصادي، أكد رئيس الوزراء أن الشركات الأمريكية ستحظى بالأولوية إذا رغبت في العمل داخل العراق، موضحاً أن وزارات النفط والكهرباء والاتصالات وُجهت إلى منح الأولوية للشركات الأمريكية الرصينة، مع التركيز على قطاعات الطاقة والاتصالات والتكنولوجيا والتنمية.
وتابع: «أقر المجلس الوزاري للاقتصاد مشاريع نفطية كبرى مع شركات دولية، من بينها شيفرون وهاليبرتون وHKN»، مشيراً إلى أن قطاع الاتصالات العراقي يجري أيضاً محادثات مع «ستارلينك».
ومن مكتبه في بغداد، عرض الزيدي خططاً لإنشاء صندوق مشترك للطاقة والتنمية مع الولايات المتحدة يُموّل بما يعادل 500 ألف برميل يومياً، على أن تُوجَّه موارده إلى مجموعة واسعة من الاستثمارات تشمل مشاريع الكهرباء والبنية التحتية.
كما أشار إلى أن 500 ألف برميل يومياً ستُخصص للمساهمة في إعادة ملء الاحتياطي النفطي الاستراتيجي الأمريكي، مضيفاً: «سنناقش مع الجانب الأمريكي مشروع الطاقة والتنمية، بدءاً من 500 ألف برميل يومياً مع إمكانية توسعه إلى مليوني برميل يومياً»، لافتاً إلى أن هذه الأرقام مرهونة بـ«الظروف الاقتصادية والإنتاجية، وربما بما يتجاوز حدود حصة أوبك».
وأوضح أن الصندوق المقترح سيُدار عبر حسابات في مؤسسات مصرفية أمريكية رصينة، على أن تُوجَّه موارده لتمويل مشاريع الكهرباء والبنية التحتية والتنمية، فضلاً عن الاتفاقيات المبرمة مع الشركات الأمريكية. وأضاف أن الصندوق قد يصل خلال العقود الثلاثة المقبلة إلى تمويل يُقدّر بنحو 400 مليار دولار، مع نمو تدريجي يرتبط بأداء المشاريع والشركات المنفذة.
كما كشف عن العمل على إشراك البنك المركزي العراقي والصناديق الوطنية في هيكل الصندوق، مع فتح المجال أمام الاكتتاب العام والشراكات الإقليمية والدولية، بما يضمن توسيع قاعدة الاستثمار وتحريك الاقتصاد وخلق فرص العمل.
الانسحاب من أوبك؟
وفي ملف الطاقة، أكد الزيدي أن حكومته تعمل على تأمين حصة إنتاجية عادلة للعراق تعكس قدرات البلد، مشيراً إلى أن بغداد تستهدف رفع إنتاجها النفطي إلى 7 ملايين برميل يومياً خلال السنوات الثلاث المقبلة.
وقال: «خلال السنوات الثلاث المقبلة، نستهدف رفع إنتاج العراق النفطي إلى سبعة ملايين برميل يومياً، وقد أبلغنا الشركات الأمريكية بهذه الرؤية»، مشيرا إلى أن الحكومة تسعى إلى استعادة كامل طاقات تصدير النفط بعد التراجع الذي شهدته الصادرات نتيجة الأزمات الإقليمية الأخيرة.
وفي حين نفى وجود أي نية للانسحاب من أوبك، فإنه لم يستبعد إمكانية تعليق عضوية العراق فيها إذا مُنع البلد من زيادة طاقته الإنتاجية.
وشدد الزيدي على أن سعي العراق إلى بناء شراكة اقتصادية قوية مع الولايات المتحدة تمليه المصلحة الوطنية العراقية، وليس موجهاً ضد أي دولة أخرى، مضيفاً: «نُعدّ لعقد مؤتمر دولي للسيادة يؤكد أن القرار العراقي بيد العراقيين وحدهم، ويدعو إلى عراق خالٍ من القوات الأجنبية ومن الجماعات المسلحة الخارجة عن سلطة الدولة».
وكانت وزارة النفط العراقية قد أوضحت، الخميس، أن العراق لا يعتزم مغادرة أوبك، لكنه سينظر في ذلك إذا لم تُلب مطالب بغداد برفع حصتها الإنتاجية. ويملك العراق حصة إنتاجية تبلغ 4.378 مليون برميل يومياً لشهر يوليو/تموز، فيما يشكل النفط المصدر الرئيسي لإيراداته.
أما في الشأن الداخلي فكشف رئيس الوزراء عن أن حكومته تعمل ضمن برنامجها على توفير مليون قطعة أرض سكنية مهيأة للمواطنين العراقيين، في إطار جهود معالجة أزمة السكن وتحسين الخدمات الأساسية.
الوضع الأمني وسحب السلاح
وفي الملف الأمني، أشار الزيدي إلى أن الحكومة بدأت تنفيذ خطة نزع سلاح الفصائل المسلحة، مؤكداً أن الموعد النهائي لإنجاز هذه العملية سيتزامن مع الانسحاب المقرر للقوات الأمريكية في سبتمبر/أيلول.
وقال إن الفصائل المسلحة في العراق نشأت من روح المقاومة، لكن البلاد ستدخل مرحلة جديدة بعد الثلاثين من سبتمبر/أيلول، مضيفاً: «بمجرد انسحاب القوات الأمريكية، لن يكون هناك أي مبرر لأي مقاومة أو فصائل مسلحة».
كما أفاد بأنه يعتزم تحميل القوات الأمنية للدولة المسؤولية عن أي هجمات تُشن من الأراضي العراقية مستقبلاً، مؤكداً في الوقت ذاته أن التحقيقات لم تجد أي دليل على أن الهجمات الأخيرة ضد السعودية خلال الحرب مع إيران انطلقت من العراق.
وبالتوازي مع ذلك، أكد رئيس الوزراء أن العراق ينتهج سياسة التوازن والانفتاح مع مختلف الأطراف الإقليمية والدولية، موضحاً أن دول الخليج العربي تمثل عمقاً تاريخياً وثقافياً واجتماعياً للعراق، فيما تقوم العلاقة مع إيران على مبادئ حسن الجوار والاحترام المتبادل والمصالح المشتركة.
وأضاف أن العراق لا يقبل الإملاءات من أي طرف خارجي، وأن قراره الوطني سيظل منطلقاً من مصالح العراقيين، مشدداً على أن بغداد لا تتبنى سياسة المحاور أو العداء، بل تسعى إلى أن تكون مساحة للحوار والاستقرار في المنطقة.
كما أبدى ترحيب العراق باستضافة أي حوار من شأنه المساهمة في تهدئة التوترات الإقليمية، بما في ذلك المحادثات المحتملة بين الولايات المتحدة وإيران.
واعتبر الزيدي أن الدولة القوية تحتاج إلى قرارات حاسمة، وأن عدم التعلق بالمناصب يمنح المسؤول القدرة على اتخاذ القرارات الصعبة ومواجهة التحديات بما يخدم المصلحة الوطنية.
ويمثل الانقسام بين الفصائل المؤيدة للاندماج في الدولة وتلك المتحالفة مع فيلق الحرس الثوري الإيراني نقطة الخلاف الرئيسية، نظراً لمحدودية نفوذ بغداد على بعض هذه المجموعات.
وخلال الأسابيع الأخيرة، أعلنت اثنتان من أقوى الفصائل استعدادهما للاندماج في مؤسسات الدولة. الأولى «سرايا السلام» بقيادة رجل الدين الشيعي مقتدى الصدر، والثانية «عصائب أهل الحق» بقيادة قيس الخزعلي، الذي حوّل تركيزه إلى السياسة الداخلية متطلعاً إلى تولي منصب وزاري.
قضايا الفساد
وفي موازاة هذه الملفات، وضعت الحكومة مكافحة الفساد في صدارة أولوياتها، وهو ما وصفه رئيس الوزراء بأنه مواجهة لـ«ظاهرة بنيوية» تعيق التنمية وتستنزف موارد الدولة.
وأشار الزيدي إلى أن العراق ما زال يدفع ثمن عقود طويلة من الحروب والصراعات والأزمات الاقتصادية التي أثرت في بنيته التحتية وقدراته التنموية، مؤكداً أن البلاد تسعى اليوم إلى الانتقال نحو اقتصاد حديث ومنتج قادر على استيعاب الطاقات الوطنية وتحقيق التنمية المستدامة.
ويوم الثلاثاء، أعلنت محكمة الجنايات المركزية المختصة بمكافحة الفساد توقيف مسؤول سابق آخر، وحصولها على اعترافات من مسؤول نفطي رفيع موقوف في قضية فساد، مشيرة إلى أن إجمالي الأموال المستردة تجاوز 98 مليار دينار و11 مليون دولار.
ويحتل العراق المرتبة 136 من أصل 181 دولة في مؤشر مدركات الفساد لعام 2025 الصادر عن منظمة الشفافية الدولية، فيما تمثل عقود قطاع النفط أحد أبرز الملفات التي تخضع للتحقيقات المتعلقة بالفساد.
وخلال السنوات الماضية، أدى الفساد المستشري إلى إضعاف جهود إعادة الإعمار والتعافي من آثار الحروب والعقوبات الاقتصادية، رغم مليارات الدولارات التي خُصصت لإعادة بناء البلاد بعد عام 2003.
وفي هذا الإطار، قال رئيس الوزراء: «شرعتُ في اتخاذ إجراءات في كل وزارة ودائرة لقطع الطريق أمام أي منفذ له»، موضحاً أن العقود الحكومية المقبلة ستُنشر عبر الإنترنت بطريقة علنية وشفافة.
كما لفت إلى أن الحكومة شكلت لجنة مركزية لمراجعة العقود التي تتجاوز قيمتها 25 مليار دينار، بهدف تدقيقها وضمان سلامة تقديراتها المالية ومنع أي مبالغة في الكلف التخمينية.
وأضاف أن مجلس الوزراء أقر مشروع قانون لإحالة ملف إنشاء هيئة للرقابة والتدقيق القبلي إلى مجلس النواب، بما يعزز معايير الشفافية والحوكمة ويرفع كفاءة إدارة المال العام.
وفي ختام المقابلة، كشف الزيدي عن أن حكومته تتطلع إلى استكمال شغل الشواغر المتبقية في التشكيلة الحكومية خلال الأسبوعين المقبلين، مؤكدا أن تقييم الأداء الحكومي سيُبنى على ما تحقق من إنجازات ملموسة على الأرض، لا على الوعود أو الشعارات.