جولة في عقل رئيس «الفيدرالي الأمريكي» القادم.. توجهات تغير اقتصاد العالم
بين التشدد النقدي واستقلال القرار
في جلسة استماع حاسمة، كشفت مداخلات مرشح الرئيس الأمريكي لرئاسة بنك الاحتياط الفيدرالي، كيفن وورش، عن ملامح تحول محتمل في مستقبل الفيدرالي الأمريكي.
وألقى تحليل نشره مجلس العلاقات الخارجية الضوء على حديث وورش وقال إنه يدفع باتجاه إعادة تعريف دور البنك المركزي، عبر العودة إلى ما وصفه بـ"المهام الأساسية"، وفي مقدمتها السيطرة على التضخم وضمان استقرار الاقتصاد الكلي، بدلًا من التوسع في أدوار غير تقليدية برزت خلال الأزمات الأخيرة، مثل دعم الأسواق المالية بشكل مباشر.
ووفقا للتحليل، يعكس هذا التوجه قلقًا متزايدًا داخل بعض دوائر صنع القرار من أن الاحتياطي الفيدرالي قد تجاوز نطاقه التقليدي خلال السنوات الماضية، خصوصًا بعد اعتماده المكثف على أدوات مثل التيسير الكمي والتوجيه المستقبلي. ويرى وورش أن هذه السياسات، رغم فاعليتها المؤقتة، قد تحمل مخاطر طويلة الأجل، منها تشويه آليات السوق وزيادة الاعتماد على تدخل البنك المركزي.
نهج أكثر صرامة
وفي محور آخر، شدد وورش على ضرورة تبني نهج أكثر صرامة في مواجهة التضخم، معتبرًا أن التهاون في هذا الملف يقوض الثقة في السياسة النقدية. كما أشار إلى الحاجة لإعادة النظر في طريقة قياس التضخم وإدارته، ما قد يعني تعديل الإطار الحالي الذي يوجه قرارات الفيدرالي.
ويرى مراقبون أن ترشيح وورش يعكس توجهًا أوسع داخل بعض التيارات السياسية نحو تقليص دور الدولة في الاقتصاد، وإعادة الاعتبار لقوى السوق. غير أن تطبيق هذا النهج يظل مرهونًا بتوازنات دقيقة، خاصة في ظل بيئة اقتصادية عالمية تتسم بالتقلب وعدم اليقين.
وكشفت جلسة الاستماع عن مفترق طرق أمام الاحتياطي الفيدرالي، إما الاستمرار في نهج التدخل الواسع الذي طبع العقد الأخير، وإما التحول نحو سياسة أكثر تحفظًا وانضباطًا. وبين هذين الخيارين، ستتحدد ملامح المرحلة المقبلة للسياسة النقدية الأمريكية، بما لها من تأثيرات تتجاوز حدود الولايات المتحدة إلى الاقتصاد العالمي بأسره.
التدخل السياسي
لكن جلسة الاستماع لم تخلُ من أبعاد سياسية، إذ برزت تساؤلات حول مدى استقلالية الاحتياطي الفيدرالي في ظل الضغوط المتزايدة من صناع القرار. وأظهرت المناقشات أن أي تحول في قيادة البنك قد يفتح الباب أمام إعادة رسم العلاقة بين السياسة النقدية والسلطة التنفيذية، وهو ما يثير مخاوف بشأن تسييس القرارات الاقتصادية.
وفي السياق ذاته، اعتبر تحليل نشرته صحيفة الغارديان البريطانية إن ترشيح وورش لرئاسة الاحتياطي الفيدرالي لا يعني أن خفض أسعار الفائدة بات وشيكًا، رغم رغبة الرئيس دونالد ترامب الواضحة في تسريع هذه الخطوة لتحفيز الاقتصاد. إذ يكشف النقاش الدائر عن أن الواقع المؤسسي داخل البنك المركزي أكثر تعقيدًا من أن يخضع لإرادة سياسية مباشرة.
ويعتمد وورش في تبريره المحتمل لخفض الفائدة على توقعات بطفرة إنتاجية مدفوعة بالتقدم في الذكاء الاصطناعي، وهو رهان اقتصادي لا يزال محل جدل بين الخبراء. في المقابل، يبدي عدد من صناع السياسة النقدية تحفظًا واضحًا، في ظل استمرار مخاطر التضخم، خاصة مع تأثير سياسات مثل الرسوم الجمركية واتساع العجز المالي.
ويشير التقرير إلى أن قرارات الفيدرالي لا تُتخذ بشكل فردي، بل من خلال لجنة تضم عدة أعضاء يتمتعون باستقلالية نسبية، وهو ما يحد من قدرة رئيس البنك -مهما كانت توجهاته- على فرض تغيير سريع في مسار السياسة النقدية. وهذا الإطار الجماعي يعزز من تماسك القرار، لكنه في الوقت نفسه يقلل من فرص الاستجابة السريعة للضغوط السياسية.
كما أشار التحليل إلى أن الظروف الاقتصادية الراهنة تختلف عن فترات سابقة شهدت خفضًا للفائدة، حيث تواجه الولايات المتحدة ضغوطًا تضخمية أكثر تعقيدًا، بعضها ناتج عن سياسات داخلية، ما يجعل أي قرار بالتيسير النقدي محفوفًا بالمخاطر.