ولادة إقليم رابع في ليبيا.. بين المحاصصة ومخاوف التقسيم (خاص)
موجة واسعة من الجدل أثارها إعلان مجموعة من عمداء بلديات المنطقة الوسطى في ليبيا قيام ما سُمّي بـ«إقليم المنطقة الوسطى» وعاصمته مدينة مصراتة، مما طرح تساؤلات حول أبعاد الخطوة ومدى تأثيرها على الخريطة الإدارية والسياسية للبلاد.
وفي أعقاب اجتماعات وتنسيقات بين عدد من عمداء البلديات ومسؤولين أمنيين، أعلن عن ضم تسع بلديات بشكل مبدئي إلى الإقليم الجديد، بينها مصراتة وزليتن وبني وليد والخمس وترهونة ومسلاتة وقصر الأخيار.
ردود الفعل
ولم يمر الإعلان دون ردود فعل معارضة، إذ شهدت مدينة بني وليد حالة من الغضب والرفض، حيث أقدم عدد من شباب قبائل ورفلة على إغلاق مقر البلدية احتجاجاً على إدراج مدينتهم ضمن الإقليم الجديد، معتبرين أن القرار لا يعبر عن إرادة السكان.
كما أقدم ناشطون من ترهونة على إغلاق مقر المجلس البلدي، وأعلنوا تجميد عمله رفضًا للانضمام إلى ما يُعرف بـ«الإقليم الرابع» أو «إقليم المنطقة الوسطى» الذي تتولى رئاسته مدينة مصراتة، دون توافق محلي، مطالبين بمراعاة إرادة السكان في أي ترتيبات إدارية أو تنظيمية مستقبلية.
يعكس هذا الرفض حجم الجدل المصاحب للمبادرة، خاصة في ظل غياب أي إعلان رسمي من السلطات المركزية بشأن اعتماد تقسيم إداري جديد للبلاد.
ماذا تعني فكرة الإقليم الرابع؟
تاريخياً، ارتبطت ليبيا بثلاثة أقاليم رئيسية هي: طرابلس في الغرب، وبرقة في الشرق، وفزان في الجنوب، وهي الأقاليم التي نص عليها دستور عام 1951 خلال فترة المملكة الليبية عندما كانت البلاد تعتمد النظام الفيدرالي.
وكان لكل إقليم -آنذاك- مؤسساته التشريعية والتنفيذية المحلية قبل إلغاء النظام الفيدرالي مطلع ستينيات القرن الماضي والتحول إلى الدولة الموحدة.
بين التنمية والجدل السياسي
ويرى مؤيدو المبادرة، أن إنشاء إقليم للمنطقة الوسطى قد يمنح البلديات مساحة أكبر للتنسيق والتنمية وتحسين الخدمات، فيما يخشى معارضون من أن تفتح الخطوة الباب أمام مطالب بإعادة رسم الخريطة الإدارية للبلاد خارج الأطر الدستورية والقانونية المعمول بها.
وينتقد المحلل السياسي الليبي عمر بوسعيدة الإعلان عن الإقليم الجديد، معتبراً أنه «مقامرة سياسية غير محسوبة النتائج»، واصفاً الخطوة بأنها تعكس حالة من التخبط السياسي ومحاولة لفرض أمر واقع لن يغير من الحقائق الجغرافية أو السياسية في ليبيا، بل قد يؤدي إلى مزيد من التأزيم والانقسام.
وأضاف بوسعيدة في تصريحات لـ«العين الإخبارية»، أن توقيت الإعلان يثير العديد من التساؤلات، خاصة في ظل المساعي الرامية إلى تحقيق الاستقرار وتوحيد المؤسسات، مشيراً إلى أن هذه الخطوة قد تسهم في إرباك المشهد السياسي وتعقيد الجهود الوطنية الهادفة إلى الوصول لتسوية شاملة للأزمة الليبية.
وشدد بوسعيدة على أن الخطوة «منعدمة قانونا وواقعيا، ولا تلزم أيا من الليبيين في الأقاليم الأخرى» محذرا من أنها «قد تحيي العديد من النداءات المناطقية والجهوية وقد تؤثر في انبعاث نداءات تقسيم ليبيا، خاصة أن العديد من المناطق تشعر بإهمال من الحكومة المركزية، وضعف في الإمكانات والخدمات».
شريك جديد في المحاصصة
ويؤكد الخبير السياسي والعسكري الليبي محمد الترهوني، أن هذه الخطوة يهدف من ورائها خلق شريك جديد في العملية السياسية يكون لها نصيب في أي محاصصة وفقا للاتفاقات المستقبلية، بعد أن كانت المناصب تتوزع على الأقاليم الثلاثة.
وأضاف في تصريحات لـ«العين الإخبارية»، أن هذه البلديات المذكورة جميعها في غرب ليبيا وليس وسطها، وتم تجاهل بلدات الوسط مثل سرت والجفرة وبني وليد، كما أن الإجراء مخالف للقانون، الذي يجعل إنشاء المحافظات والأقاليم لمجلس النواب -الجهة التشريعية- ويصدر هذا التقسيم، بقانون وفقا لقانون الإدارة المحلية رقم ٥٩ لسنة 2012.
ونبه الترهوني إلى أن مسألة المحاصصة منصوص عليها في العديد من الاتفاقات في الصخيرات وجينيف وبوزنيقة، وهو أمر تاريخي في ليبيا، مشيرًا إلى أن محاولة سلخ عدد من البلديات من إقليم ما لإنشاء إقليم رابع معنا محاولة تعزيز مصالح مدينة بعينها مستفيدة بدعم أخرى لها ليكون لها نصيب أكبر في السلطة.
وأكد أن الخطوة قد تسفر عن غضب شعبي يتجدد في كل مناسبة بتجاهل الحقوق التاريخية لأبناء الأقاليم الأخرى، بحيث سيكون لأبناء المنطقة الغربية نصيبين من المناصب (نصيب لإقليم طرابلس وآخر للإقليم الرابع المزعوم).
وفي ظل استمرار الانقسام السياسي الليبي، يبقى الإعلان محل نقاش واسع حول ما إذا كان يمثل مجرد إطار تنسيقي بين بلديات المنطقة الوسطى أم مقدمة لمشروع إداري وسياسي أوسع قد يعيد إحياء النقاش حول الفيدرالية وتقسيم الأقاليم في ليبيا.