كنوز ليبيا التاريخية.. جهود حكومية لحماية إرث آلاف السنين
تتواصل الجهود الليبية لحماية إرث حضاري يمتد لآلاف السنين، بعد أن تعرض خلال العقد الماضي لتحديات كبيرة بسبب النزاعات المسلحة والإهمال.
وفي هذا الإطار، بحث وزير الدولة لشؤون رئيس الحكومة ومجلس الوزراء، محمد بن غلبون، مع مصلحة الآثار الليبية أوضاع المدن والمواقع الأثرية في ليبيا، وسبل تعزيز آليات حمايتها والحفاظ عليها باعتبارها جزءًا من الهوية الوطنية والثقافية للبلاد.
وتناول الاجتماع أوضاع المدن الأثرية في مختلف المناطق، واستعرض أبرز التحديات التي تواجه قطاع الآثار، إلى جانب مناقشة الخطط الكفيلة بصون الموروث الثقافي والتاريخي للأجيال المقبلة، وتعزيز جهود الحماية والتوثيق.

كما ناقش الجانبان احتياجات مصلحة الآثار والمتاحف الوطنية، والآليات اللازمة لدعم أعمالها وتطوير أدائها، بما يسهم في رفع كفاءة برامج الصيانة والترميم، وتحسين الخدمات المقدمة للزوار، وتعزيز دور المتاحف في حفظ وعرض التاريخ الليبي.
ثروة حضارية استثنائية
تمتلك ليبيا واحدة من أغنى الثروات الأثرية في المنطقة، إذ تمتد شواهدها التاريخية من عصور ما قبل التاريخ، مرورًا بالحضارات الفينيقية والإغريقية والرومانية والبيزنطية والإسلامية، وصولًا إلى التاريخ الحديث.
وتنتشر في البلاد مواقع أثرية ذات قيمة عالمية، من أبرزها لبدة الكبرى، وصبراتة، وشحات (قورينا)، إلى جانب مواقع صحراوية فريدة مثل مدينة غدامس القديمة وجبال أكاكوس، وهي جميعًا مدرجة على قائمة التراث العالمي لمنظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونسكو).

ويعكس هذا التنوع الحضاري تعاقب حضارات متعددة على الأراضي الليبية عبر آلاف السنين، ما يجعل حماية هذه المواقع مسؤولية وطنية وإنسانية، لما تمثله من قيمة تاريخية وثقافية تتجاوز حدود ليبيا.
تحديات متراكمة
ورغم الأهمية الاستثنائية للموروث الأثري الليبي، لا يزال القطاع يواجه تحديات متزايدة، في مقدمتها التوسع العمراني العشوائي، وأعمال التنقيب غير القانونية، والاتجار بالقطع الأثرية، فضلًا عن الأضرار التي لحقت بعدد من المواقع خلال سنوات الصراع.
كما تعاني بعض المتاحف والمراكز الأثرية من نقص التمويل والإمكانات الفنية اللازمة لأعمال الترميم والصيانة والتوثيق، إضافة إلى الحاجة لتطوير البنية التحتية السياحية والخدمات المساندة بما يتيح استثمار هذه المواقع في دعم الاقتصاد والسياحة الثقافية.

التراث العالمي في دائرة الخطر
تضم ليبيا خمسة مواقع مدرجة على قائمة التراث العالمي لليونسكو، هي: لبدة الكبرى، وصبراتة، وشحات (قورينا)، وغدامس القديمة، وجبال أكاكوس، وهي مواقع تمثل سجلًا حضاريًا يوثق تعاقب ثقافات وإمبراطوريات مختلفة على الأراضي الليبية.
ومنذ عام 2016، أدرجت اليونسكو هذه المواقع على قائمة التراث العالمي المعرض للخطر، نتيجة تداعيات الصراع، وما صاحبه من تراجع أعمال الصيانة، وارتفاع مخاطر التعديات، والنهب، والاتجار غير المشروع بالقطع الأثرية.

وخلال السنوات الأخيرة، كثفت السلطات الليبية، بالتعاون مع منظمات دولية، جهودها لاستعادة عدد من القطع الأثرية المهربة إلى الخارج، بالتوازي مع تنفيذ مشاريع لترميم عدد من المواقع التاريخية، وتطوير المتاحف، وتحديث منظومات التوثيق والحفظ باستخدام التقنيات الرقمية الحديثة.
ويرى مختصون أن نجاح هذه الجهود يتطلب استراتيجية وطنية متكاملة تجمع بين توفير التمويل الكافي، وتشديد الحماية القانونية للمواقع الأثرية، وتعزيز الوعي المجتمعي بأهمية التراث، إلى جانب توسيع التعاون مع المنظمات الدولية، بما يضمن الحفاظ على كنوز ليبيا التاريخية بوصفها إرثًا إنسانيًا للأجيال القادمة.