ممر مالي - غينيا.. «رهان لوجستي» لتطويق إرهاب ساحل أفريقيا
ممر بديل اتفقت مالي وغينيا على تطويره يختزل أبعادا سياسية وأمنية ويأتي في سياق بالغ التعقيد وسط هجمات إرهابية تثقل ساحل أفريقيا.
وفي تصريحات لـ«العين الإخبارية»، يعتبر خبراء سياسيون متخصصون أن الخطوة التي اتخذتها مالي للتوافق مع غينيا على تطوير محور بديل لنقل بضائعها لا تقتصر على ملف لوجستي عادي، بل تشكل تحركا ذا أبعاد سياسية وأمنية واقتصادية.
ويؤكدون أن الخطوة تستجيب لضغوط إقليمية وتحديات أمنية ملموسة في سياق معقد للغاية يتداخل فيه الإرهاب والضغط الإقليمي وضعف السلاسل اللوجستية التقليدية إضافة إلى ضرورة تنويع المحاور التجارية.
ووفق الخبراء، فإن الاتفاق الذي أعلن في ختام آخر مجلس للوزراء في باماكو عاصمة مالي يتضمن سلسلة من الإجراءات لتأمين طريق جديد لنقل البضائع عبر غينيا كوناكري.
والهدف من ذلك هدف تقليل الاعتماد على الممرات التقليدية مثل داكار السنغالية وأبيدجان الإيفوارية، وقد شمل هذا التوافق اتفاقيات في النقل البري والبحري بين البلدين.
نحو «استقلال لوجستي»
وفي تعقيبه على التطور، يرى الدكتور لاسينا ديارا، الباحث الإيفواري المتخصص في الاقتصاد السياسي لغرب أفريقيا، أن هذه الاتفاقيات بين مالي وغينيا تمثل ضرورة استراتيجية لعزل البلاد اقتصاديًا عن تأثيرات الضغوط الخارجية وتحديات الأمن الإقليمي.
ويقول لاسينا ديارا، في حديث لـ«العين الإخبارية»، إن «مالي باعتبارها دولة حبيسة البحر، تعتمد تاريخيًا على ممرات عبر دول ساحلية، خاصة ميناءي داكار في السنغال وأبيدجان في كوت ديفوار، لمعظم وارداتها وصادراتها».
وفي عام 2025 وحده، تم تفريغ ما يقرب من 2.5 مليون طن من البضائع المالية في داكار، وأكثر من 835 ألف طن في أبيدجان، وهذا يظهر حجم الاعتماد الكبير على هذين المحورين اللوجستيين، بحسب إذاعة "إر.إف.إي" الفرنسية.
وأشار الباحث الإيفواري إلى أن تنويع هذه الممرات عبر تعزيز دور ميناء كوناكري سيمنح باماكو قدرة أكبر على مواجهة تعطلات السلاسل اللوجستية التي يمكن أن تحدث بسبب الصراعات الإقليمية والعقوبات الاقتصادية أو حتى عدم الاستقرار الأمني في دول الجوار.
وتابع أن الاتفاق يتضمن كذلك تنازلاً من مالي بإعطاء غينيا 10 هكتارات من الأراضي بالقرب من طريق كورمالي–باماكو لإنشاء مرافق تخزين وبنى لوجستية تخدم الحركة التجارية بين البلدين، ما يرسخ المؤشرات على تحالف اقتصادي طويل الأمد.
ضد الإرهاب
من جانبه، يعتبر الدكتور بول ميلي، الباحث السنغالي المتخصص في قضايا غرب أفريقيا والساحل، أن «توقيت الاتفاق ليس محض صدفة، بل هو رد فعل ملموس على الأحداث الأمنية والسياسية في منطقة الساحل».
ويقول ميلي، لـ«العين الإخبارية»، إن الانسحابات من المجموعة الاقتصادية لدول غرب أفريقيا (إيكواس) وما واكب ذلك من عقوبات وتقييدات على مالي منذ 2022، سلط الضوء على نقاط ضعف الاقتصاد المالي المعتمد على ممرات محدودة.
وبحسب الباحث السياسي السنغالي، فإن تأمين ممر بديل عبر غينيا يمكن أن يسهم في تقليل مخاطر الجماعات الإرهابية التي استهدفت طرقًا تجارية ومنشآت حيوية في السنوات الأخيرة في منطقة الساحل.
ولفت إلى أن الهجمات تصاعدت على الطرق البرية التي تربط بين موانئ دول الجوار والمناطق الداخلية، ما أثر على سلاسل الإمداد وارتفاع تكاليف النقل.
وأشار ميلي إلى أن الاتفاقيات تشمل «مرافق معاملة للسلع» ومساحات في ميناء كوناكري، ما سيمنح الحلف التجاري بين هذه المدينة وباماكو أفضلية في الاحتفاظ بالسيطرة على التحركات فيما يتعلق بالتحرك اللوجستي بعيدًا عن المجازفات الأمنية الحالية.
كما رأى أن هذا الاتفاق يمكن أن يكون نقطة انطلاق لتعزيز التعاون الأمني بين مالي وغينيا، وهو ما قد يشجع تبادل المعلومات والاستخبارات حول التهديدات الإرهابية على الطرق والممرات البرية.
وخلص إلى أن ما تقدم «يعزز فكرة أن المشروع ليس مجرد توسع لوجستي بل استراتيجية أمنية واقتصادية متوازنة».
تحديات وأبعاد
ميلي أشار أيضا إلى أن تحقيق أهداف هذا المحور الجديد يواجه تحديات حقيقية.
فبينما يتزايد التدفق التجاري عبر غينيا، حيث ارتفعت صادرات مالي عبر غينيا من 299 طنًا في 2022 إلى 7624 طنا في 2023، إلا أن هذه الأرقام لا تزال ضئيلة مقارنة بحركة البضائع عبر داكار وأبيدجان.
ويعتبر أن ذلك يبرز حاجة العمل على تطوير البنية التحتية وتعزيز تنافسية كلفة النقل من ميناء كوناكري قبل أن يصبح بديلاً حقيقيًا.
كما شكلت جودة الطرق البرية بين مالي وغينيا ومسألة أمن النقل على هذا الطريق عوامل حاسمة في نجاح هذه المبادرة، لا سيما في ظل استمرار تهديدات الجماعات المسلحة في بعض المناطق العابرة للحدود داخل الساحل.
ووفق الخبير، فإن الخطوة تتماشى مع توجه أوسع لدول الساحل الأفريقي نحو تنويع شراكاتها الاقتصادية والأمنية بعد اضطرابات سياسية وإيكولوجية في السنوات الأخيرة، في وقت يشهد فيه الإقليم تعقيدات أمنية مرتبطة بالإرهاب والتنافس الإقليمي على النفوذ الدولي.
ولفت إلى أن تحالف مالي–غينيا في هذا السياق يمكن أن يكون نموذجًا للتعاون المستدام بين دولتين تواجهان في آن واحد تحديات لوجستية وأمنية تجعل من التنويع الإستراتيجي ضرورة عملية.
كما رأى أن خطوة مالي نحو تأمين محور بديل عبر غينيا أمر إيجابي يمكن أن يساعد في تعزيز الاستقلال التجاري والأمن الاقتصادي، شريطة استمرار تطوير البنية التحتية، ضمان أمن الطرق، وتعزيز التعاون الإقليمي لمواجهة التهديدات الإرهابية وتأمين حركة البضائع الهامة.
التوقيت
أما الدكتور بيير رازو، خبير في الاستراتيجية والأمن الدولي بباريس، فيرى من جهته أن «توقيت توقيع الاتفاق ليس عشوائيًا، بل استجابة مباشرة لضغوط إقليمية وأمنية تتعلق بوضع الساحل».
ويشير رازو، في حديثه لـ«العين الإخبارية»، إلى أن المنطقة تشهد ارتفاعًا في نشاط الجماعات الإرهابية المسلحة، علاوة على ضعف دعم القوى التقليدية مثل فرنسا في الملف الأمني منذ انسحاب قواتها من مالي وبوركينا فاسو والنيجر.
ولفت رازو إلى أن تمديد الاعتماد على ممرات تجارية أحادية أو قليلة يجعل الاقتصاد المالي عرضة للهجمات ضد الطرق والتخريب، ويزيد من فرص الضغط على الحكومة المركزية، لا سيما في وقت تتصاعد فيه أعمال الجماعات المتشددة التي تستهدف خطوط الإمداد والطرق التجارية كجزء من استراتيجياتها لزعزعة الاستقرار.
ومن منظور أمني، اعتبر رازو أن هذا الاتفاق مع غينيا خطوة تخفف من ضعف الاعتماد على ممرات عبور تقليدية قد تكون أكثر عرضة للهجمات أو الاحتكاكات السياسية.
كما أن توسيع ممرات النقل وتحسين بنيتها يمكن أن يعمل، وفق رازو، كمؤشر لمحاربة الإرهاب بطريقة غير عسكرية، عبر تحسين البدائل الاقتصادية ومجالات التجارة التي يمكن أن تساهم في تقليل مخاطره على المدى الطويل من خلال تقوية الاقتصاد الوطني وربطه بشبكات أكثر تنوعًا.